مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهده اللهُ فلا مضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلواتُ اللهِ وسلامه عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى صحابته وآل بيته، ومَن أحبَّهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقبل حوالي اثني عشر عامًا تطلَّعتُ أن أُؤلِّفَ كتابًا مُوسَّعًا في نقد الإلحاد، وبيان بعض براهين صحَّة الإسلام، ووضعتُ لهذه الفكرة أجلًا رجوتُ أن أُحقِّقَها فيه!
وتمضي السنوات، ويقترب الأجَل، ويقترب معه تحقيق هذا المشروع.
ليصبح هذا العام تحديدًا هو الأجَل، وهذا الكتابُ الذي بين يديك هو المشروعُ بفضل الله.
مشروع: بصائر
هذا المشروع أُقدمه للملحد ولصاحب الشُّبُهات... للقارئ العربي وغير العربي... للمسلم وغير المسلم... للمؤمن بالله واللاديني... للباحث عن الحق، وطالب العلم الشرعي، أُقدمه لهؤلاء جميعًا، وأُقدمه قبل ذلك لطالب العلم الذي يُريد أن يدرس مجال نقد الإلحاد، وللمغتربين الذين يتعرَّضون لفتن الشبهات، فالحُجَج التي أَعرضها في هذا المشروع هي خطابٌ لكل هذه الأطياف.
وقد أودعتُ في هذا المشروع خبرة 18 عامًا في نقد الإلحاد.
هذا المشروع للتأسيس وضبط المعرفة؛ لأني أدركت أنَّ الفروع غالبًا لا تُنشئ منهجًا؛ إذ لا بد من التأسيس لمنهجٍ، فالمنهج هو الذي يَعصم ويُنشئ الفروع.
المنهج هو الذي يَسترشد به الباحثُ عن الحق؛ فلو قمتُ بالرد على عشر شُبُهات ستلتبس الشبهة الحادية عشرة على المتشكك؛ لأنه لا يملك منهجًا في الرد، إذنْ لا بد من التأسيس... لا بد من التأصيل لمنهج حتى تتكوَّن مَلَكة ذاتية لدى الإنسان، وحتى يعرف المتشكك كيف يُحيل المتشابه إلى المُحكَم.
أيضًا يهدف المشروع إلى أن يكون عندنا شبابٌ مُؤهَّل للرد على الشبهات وتفنيدها، ولديهم دراية بطريقة تفكيك دعاوى الإلحاد والعلمانية والمادية، واطلاع على عَوار وخلل هذه الكفريات، ومعرفة ببراهين صحة الإسلام ويقينيات الإيمان.
فالأُمة الإسلامية اليوم تواجه حربًا عالميَّة... حربًا لا تَخفى على مُتابع، وهذا قَدَر أتباع النبوَّات عبر التاريخ، حيث تتكاتف مِلل الكفر بشتَّى مدارسها ومِللها ونِحلها؛ لحرب أتباع الأنبياء، ولدسِّ السموم والشبهات، ولتجنيد أصحاب الأهواء حتى يُزيِّنوا الكفر للناس، فهذا دَيْدنهم عبر العصور، فمشروعهم معروفٌ، وكأنهم يتواصون به دومًا.
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ 53 سورة الذاريات.
فلو لم نُحصِّنْ أنفسنا وأبناءنا ونتزكَّى إيمانيًّا أولًا بأولٍ، سيبتلعُنا طوفان هذه الحرب!
أضِفْ إلى ذلك أننا نعيش اليوم ظاهرة إلحاديَّة فِعليَّة في العالم، فنسبة الإلحاد تزداد، ويتعرَّض عالمُنا الإسلامي أيضًا لموجةٍ إلحاديَّةٍ... موجة يقودها لصوص الآخرة الذين يريدون أن يَسْلبوا آخرة الناس، ويُضيعوا عليهم حياتهم الأبدية، وهنا واجب المسلم أن يُتقِن كيف يواجه هذه الموجة، وكيف ينتفعُ عند ربه من هذه الموجة، فهذه الموجة الإلحاديَّة نِعمة كبيرة من الله؛ لِمَن انتفع بها، وسأل ربَّه أن يكون تحت راية نبيه صلى الله عليه وسلم، مدافعًا عن دين الله، داعيًا للحق؛ فيتعلَّم كيف يدعو إلى الله، ويتعلَّم ما يُعزز يقينه، ويتعلَّم إشكالات الإلحاد، ثم يدعو إلى الله على بصيرةٍ.
وبما أنَّ أكثر الفئات تعرُّضًا لهذه الموجة هي الأقلياتُ المسلمةُ في دول العالم، فأتمنَّى توجيه محتوى هذا المشروع إلى اللغات الأخرى؛ لينتفع به الناطقون بتلك اللغات من المسلمين وغيرهم.
فالعالم اليوم يحتاجُنا أكثر بكثيرٍ جدًّا مما نحن نحتاج إليه!
العالم يعيش موجة عبثية وعدمية غير مسبوقة، فقد مات معنى الإنسان، وظهر اللاإنسان، وهذا نتاج الإلحاد المتوقَّع!
فالعاقِل مَن استعان بالله، وشمَّر عن ساعد الجِد؛ ليدعو إلى ربه، ويُبلغ الناس رسالة الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ﴾ 33 سورة فصلت.
وقد كنتُ حريصًا في هذا الكتاب على تبسيط المعلومة، وتحرير كل نقل واقتباس من مصدره مباشرةً، ولم أكتفِ بمجرد ذِكر المصدر، بل أضفتُ في أحيانٍ كثيرةٍ صورةَ المرجع، ومصدر الاقتباس أو الشاهد مباشرةً.
ومع حرصي على تبسيط المعلومات إلا أنني أحيانًا أذكر المعلومة، وقد تكون صعبةَ الفهم على ذهن القارئ للوهلة الأولى، لكن مع الوقت وخلال صفحات الكتاب سيُدرك معاني ما استغلق عليه ابتداءً.
وقد قدَّمتُ الطرحَ في هذا الكتاب بنظام سؤالٍ وجوابٍ؛ كي يكون أدْعى للانتباه، والتركيز، والتذكُّر، وسهولة استحضار المعلومة.
ويتناول هذا الكتاب:
1- تفنيدًا لآراء الملحدين في الكون ونشأة الحياة، ونَقْدًا لأشهر الشُّبُهات التي يطرحونها في آية ظهور الكون، وآية ظهور الكائنات الحية، مع تركيز أكبر على براهين وآيات وجود الخالق سبحانه.
2- تفنيدًا لآراء الملحدين في قضية ظهور الدين، وأهمية الدين للإنسانية، وبيانًا لبعض براهين صحَّة الإسلام، ودلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وحقائق ما يعلمه أهل الكتاب عن النبي القادم.
3- تفكيكًا للشبهات من داخل الإلحاد، وكشفًا لحقيقة الوسواس القهري في العقيدة، والتداخل الظاهري بينه وبين الشبهات.
4- ردًّا على أشهر شبهات الملحدين المعاصرة.
5- فصلًا خاصًّا عن المرأة في الإسلام.
6- الكشف عن مجموعة من الأفكار الضالَّة التي بدأت تنتشر بين بعض الناس، كإنكار السُّنة، والنسوية، وقانون الجذب.
7- بعض براهين يقينية الإيمان.
وبانتهاء هذا المشروع لا يسَعُني إلا أن أحمد ربي سبحانه؛ أنْ يسَّر لي أسباب الانتهاء منه، وأتقدَّم بالشكر لكل مَن علَّمني، أو أرشدني، أو وجَّهني في رحلة كتابة هذا الكتاب، والتي امتدَّت لقرابة ثلاث سنواتٍ، وما كان من توفيقٍ وسدادٍ فمن الله وحده، وما كان من خطأٍ أو زللٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان.
ولا أدَّعي في هذا المشروع إلا خطوةً واحدةً ضعيفةً هزيلةً على طريقٍ كيلومتريٍ هائلٍ، مُمهَّدٍ بآلاف الحجج والدلائل والبراهين على صحَّة الإيمان.
﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ 109 سورة الكهف.
راجيًا من الله أن يَنفع بهذا العمل، وأن يَكتبَ لنا به أجرًا؛ إنه نِعْمَ الجواد الكريم.
ومن رأى أن يشكرني على فَهْمٍ فَهِمَه يومًا في شيءٍ من دين الله، فليَكن شُكره لي بنشرِ هذا الكتاب.
فالحمدُ لله رب العالمين، مُقدِّر الخيرات برحمته، وكاشف السوء بجُودِهِ ومِنَّتِهِ.
د.هيثم طلعت