ج: أول قاعدة لا بد أنْ يعرفها مريض الوسواس القهري في العقيدة؛ سواءً كان وسواسه على شكل أفكار كفرية، أو تصوُّرات كفرية، أو نطق بكلام كفري، أو سلوك كفري... أول قاعدة لا بد أنْ يعرفها أنَّ: كلَّ صور الوسواس معفوٌّ عنها، ولا شيء فيها.
فكل صور الوسواس القهري ليس فيها أيُّ ذنب أو مشكلة، فضلًا عن أن تكون شكًّا أو كفرًا أو إلحادًا.
كلُّها معفوٌّ عنها!
قال النبي صلى الله عليه وسلم لمرضى الوسواس الذين قالوا له: إنَّا لَنجِدُ في أنفسِنا شيئًا لَأنْ يكونَ أحدُنا حُمَمةً أحَبُّ إليه مِن أنْ يتكلَّمَ به.
قال: ذاك محضُ الإيمان[1].
وفي صحيح مسلم جاءَ ناسٌ مِن أصْحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلُوهُ: إنَّا نَجِدُ في أنْفُسِنا ما يَتَعاظَمُ أحَدُنا أنْ يَتَكَلَّمَ به، قالَ: وَقَدْ وجَدْتُمُوهُ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ: ذاكَ صَرِيحُ الإيمانِ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أتقى منَّا جميعًا، وأحرص الناس على دينِك وعقيدتِك، قال عن هذه الوساوس الكفرية: ذاك صريح الإيمان.
وهذا بالمناسبة عندي من عجائب الإعجاز، إذ: كيف عَلِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن طبيعة هذا المرض وهمية محضة، وليست كفرًا ولا حتى مجرد شك؟
هذا أمرٌ لم يعرفه الطب النفسي إلا مؤخرًا جدًّا.
ولم تظهر تحليلات طبيعة الوسواس القهري، وأنها بالفعل أفكار وهمية إلا في القرن الماضي.
فالوسواس القهري أيًّا كانت صورته هو وهْمٌ في وهم، ولا شيء فيه.
وأيضًا رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إنَّ اللهَ تعالى تجاوزَ لي عن أمتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرهوا عليْهِ"[2].
وما استُكرهوا عليه: هذا هو عين التوصيف الطبي للوسواس.
فالوسواس هو تصوُّرات وسلوكيات وكلمات قهرية، يُستكره عليها مريض الوسواس، فهذه كلها معفوٌّ عنها عند الله عز وجل ، فقد تجاوز الله عنها بعلمه وحكمته ورحمته.
بل إنَّ هذه الوساوس فيها أجرٌ عظيم من الله لمن صبر.
فهي باب خير كبير من الحسنات والأجور، تُكتب بمجرد الصبر عليها، وعلى ما فيها من ضيق وشعور بالهم والخوف من الكفر والنفاق.
فكل ألم وأذًى نفسي وضيق يسببه الوسواس فيه أجر من الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ، ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ، ولَا حُزْنٍ، ولَا أذًى، ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ"[3].
بل ربما لا تترك الوساوس مريض الوسواس إلا وقد غفر الله ذنوبه.
في الحديث المتفق على صحته: "ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًى، مَرَضٌ فَما سِوَاهُ، إلَّا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ، كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَهَا"[4].
وفي الحديث الصحيح: "ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ، حتَّى يلقَى اللهَ وما علَيهِ خطيئةٌ"[5].
فالوساوس فيها خير وبركة وحكمة من الله عز وجل ، وليعلم صاحب الوسواس أنَّ هذا الوسواس هو تقدير من الله عز وجل لحكمة ولخير، فالله قيومُ السماواتِ والأرض، ومدبرُ الأمر في السماء والأرض.
لا تجري ذرة ولا أقل منها ولا أكبر إلا بعلم الله ومشيئته وقدرته وحكمته وتدبيره.
فهو سبحانه يُقدِّر الأقدار، ويدبر بحكمته بطُرُقٍ نعرفُها أو لا نعرفها... نريدُها أو نخشاها... يدبر كلَّ شيء، ويدبر كل خير وبلاء، ثم تعود عاقبة كل شيء وكل تقدير إلى ما فيه كمالُ الخير وصلاحُ دينِ الإنسان ودنياه.
فنحن مملوكون مدبَّرون تحت أمر الله وتصريفه سبحانه.
وهو اللطيف المنَّان الودود الكريم، وكل أقدارِهِ خير ورحمة واختبار، لرفع الدرجات وتمحيص العباد.
واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئَك، وما أخطأك لم يكن ليصيبَك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ولوْ أنَّ لكَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا أَنفَقْتَهُ في سبيلِ اللهِ ما قَبِلَهُ اللهُ مِنكَ حتَّى تُؤْمِنَ بالقَدَرِ، وتَعْلَمَ أنَّ ما أَصابَكَ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وأنَّ ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وإنَّهُ مَن ماتَ على غيرِ هذا دَخَلَ النَّارَ"[6].
فهذا البلاء... هذا الوسواس القهري هو تقديرُ اللهِ، وكلُّ أقدارِ الله خير.
وكثير من مرضى الوسواس بعد أنْ ابتُلوا بالوسواس صاروا طلاب علم، ودعاة إلى الله.
فهو رحمة من الله، يُقرِّب الله به الإنسان من الطاعة، ويجعله يهتمُّ بآخرته... يهتمُّ بمصيره الأبدي.