الرئيسية صحة الإسلام أعظمُ بُرهانٍ على صحَّةِ الإسلامِ
السؤال 62

ما أعظمُ بُرهانٍ على صحة الإسلام؟

أعظم معجزة في الإسلام على الإطلاق، وأعظم آية أُيد بها النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعظم برهان على صحة هذا الدين، هو كتابُ الله عز وجل ... هو القرآنُ الكريمُ.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "ما مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ ما مِثْلُهُ أُومِنَ، أَوْ آمَنَ، عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فأرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ".

فهذا القرآنُ أعظم آيةٍ أُيد بها نبيٌّ؛ ولذلك رجا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة.

والآن قارنْ بين هذينِ الموقفينِ، ثم انظر لحال العالم اليوم لتعرف هل رجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتحقق أم لا!

الموقف الأول: ذات يومٍ خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أصحابه قبل أن يصلوا العشاء فقال لهم: "إنَّه ليسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ يُصَلِّي هذِه الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ"[2].

لا يوجد مَن يُصلي العشاء على وجه الأرض غير هؤلاء النفر الذين يقفون حول النبي صلى الله عليه وسلم .

والآن ننظُرُ للموقف الثاني: يُبشِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أنَّه لن يبقى بيتٌ على ظهر الأرض إلا وسوف تصله رسالة الإسلام: "لا يَبْقى على ظَهرِ الأرضِ بَيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدْخَلَه اللهُ كَلِمةَ الإسلامِ"[3].

والآن لننظر لواقع العالم اليوم ونرى:

الإسلام اليوم هو أسرع ديانات الأرض انتشارًا وأثرًا على الإطلاق، بل ولا وَجْه للمقارنة أصلًا بينه وبين غيره.

فالإسلام بالفعل كاد أن يدخُلَ كل بيتٍ على وجه الأرض، وسيدخل اليوم أو غدًا كل بيت!

فهل رجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتحقَّق أم لا؟

ما أخبر به صلى الله عليه وسلم يقع على الرَّغْم من ضعفنا!

وها هو كتاب الله محفوظٌ بيننا، وسيبقى إلى يوم القيامة: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} [سورة الروم: 56]، فالقرآنُ نزل ليبقى إلى يوم القيامة!
وسيظل هذا الكتابُ معجزةَ الإسلام الكبرى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [سورة العنكبوت: 51].
فهذا القرآن كافٍ لمن أراد الحقَّ من أهل الأرض: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [سورة الفرقان: 1].

فهو نذير للعالمين، وقد أوجد الله به من الهباء أُمةً ضخمةً، واستبقى على القرون جيلًا من الناس ما كانوا ليدخلوا التاريخ أبدًا لولا نهوض هذا الكتاب بهم!

وحين نزل القرآن أخبر اللهُ نبيَّه أنَّ في هذا القرآن شرفَ هذه الأمةِ ومجدَها، وأنهم بهذا القرآن سيدخلون التاريخ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [سورة الزخرف: 44].

وإنه لشرفٌ لك ولقومك وسوف تُسألون عن أداء حقه!

{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [سورة الأنبياء: 10].

فيه شرفُكم... فيه عزَّة هذه الأمة طالما تمسَّكت به.

أما إذا تَركته الأمة خلف ظهرها أصابها الضعفُ والهوانُ حتى تعود إليه!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : "يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: -وذكر منها- ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم، وما لم تَحْكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ عز وجل ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم".

فلن تعود هذه الأمة لمجدِها حتى تعود لكتاب ربها!

فالقرآن هو حبلُ اللهِ المتينُ، وهوَ طريق صلاح هذه الأمة... مَن حَكمَ بِهِ عدَلَ، ومن دعا إليْهِ هُدِيَ إلى صراطٍ مستَقيمٍ.

ولذلك مِن أعظم ما أُوصي به كلَ مسلمٍ ومسلمة: تدبُّر هذا الكتاب كل يومٍ!

كل يوم يكون لك وِردٌ من القرآن بتدبُّر ولو نصف حزب!

تقرأ الآية بتأمُّل، ثم تقرأ تفسيرًا يسيرًا عليها يعينك على التدبُّر، مثل: التفسير الميسر.

أو تفسير الشيخ السعدي:

ثم تُعيد قراءة الآية مرةً أخرى، ثم تذهب إلى التي تليها وهكذا!

هذا والله بابُ اليقين الأيسر.

أيسرُ باب لتحصيل اليقين، وأيسرُ باب لنجاة أُمَّتِنا مما هي فيه هو: تدبُّر كتاب الله!

فعندما تقوم بتدبُّر القرآن، ويتحوَّل القرآن إلى حياةٍ، ساعتها والله ننجو وننهض.

فسوف تجد في كل آية حلًّا لمشكلةٍ، وتفريجًا لهَمٍّ، وزوالًا لشُبهةٍ، وطمأنينةً لنفسٍ، وسكينةً لقلبٍ.

فهذا خطاب ربك لك أيها الإنسان!

فالقرآن يشرح اللهُ به الصدرَ، ويغرس به الإيمانَ في القلب.

وللقرآن أسرارُه الخاصة؛ ولذلك كم من عدُوٍّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أراد اغتياله، فما أن سمع آياتِ القرآن حتى انفطر قلبه وتشدَّق الإيمان من عينيه![5]

وقد نبَّهنا الله تعالى إلى هذه الحقيقة، وأخبرنا أن الكافر في قلب معمعة القتال واشتداد رحى السيوف قد يُرجى منه خيرٌ حين يستمع القرآن: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [سورة التوبة: 6].

كيف ينكسر كافرٌ في لحظة احتدام قتالٍ لصوت كتاب عدوه؟

إنها أسرار القرآن!

(فللقرآن سلطانٌ قاهرٌ على النفوس، ولا يزال غضًّا طريًّا على كثرة التَّرْداد مع ما فيه من قوانين وتشريعات، وهو الأنيس في الخلوات، وتهفو إليه النفوس في الأزمات، ويزيل الوحشة عن أي مكانٍ وُجد فيه.

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [سورة الزمر: 23].

فكتابُ الله تفرح به النفس حتى إذا أخذت حظَّها منه عادت مُرتاعة تريد المزيد[6].

وانظر لحال النصارى الذي يبتغون الحقَّ ماذا يفعلون إذا سمعوا القرآن: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [سورة المائدة: 83].

أيُّ شخصٍ يقرأ هذه الآية يعلم أن هذا الذي فاض في عيونهم من الدموع حين سمعوا القرآن شيءٌ فاق قدرتهم على الاحتمال[7].

روى ابنُ إسحاق بسندٍ صحيحٍ عن كعب أنَّ عتبة بن ربيعة سيد قريش، عرَضَ على قومه أن يقوم إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها؛ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ، ورأى المشركون أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقال المشركون لعتبة:‏ قُمْ إلى محمد فكلَّمْه، فقام إليه عُتبة.

فقال‏:‏ يابنَ أخي! إنك منا حيث قد علمتَ من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النَّسبِ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، فاسمعْ مني أعرض عليك أمُورًا لعلك تقبل منها بعضها‏.

فقال رسول صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏ "‏قل يا أبا الوليد أسمع"‏‏.

حتى إذا فرغ عُتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعُ منه، قال‏:‏‏"‏أقد فرغتَ يا أبا الوليد‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏فاسمعْ مني"‏، قال‏: ‏أفعل، فقرأ عليه صدر سورة فُصلت.

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض‏:‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏ قالوا‏:‏ ما وراءك يا أبا الوليد‏؟

قال‏:‏ ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثلَه قط!

والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكَهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقولِهِ الذي سمعتُ منه نبأ عظيم، قالوا‏:‏ سَحَرَكَ –والله- يا أبا الوليدِ بلسانه!

قال‏:‏ هذا رأيي فيه، فاصنعُوا ما بدا لكم‏.

ومن بين ما قاله عتبة للمشركين وهو يصف لهم أثر القرآن على قلبه؛ أنه لما سمِع قولَه تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [سورة فصلت: 13] من سورة فصلت، قال: أمسكت بفيه (أمسك بفم النبي صلى الله عليه وسلم ) وناشدته بالرَّحِم أن يَكُفَّ، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذبْ، فخشيت أن ينـزل بكم العذاب.

خاف على المشركين من وعيد القرآن.

{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [سورة فصلت: 13].

إن ظلوا على شركهم هلكوا!

لم يتمالكْ عتبة نفسه أمام قوارع القرآن، ففي الآيات التي تلاها عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم تحذير شديد لمشركي قريش أنهم سوف يفنَون كما فَنِيت عاد وثمود؛ ولذلك أمسك بفم النبي صلى الله عليه وسلم ، وناشده بالرحم، وخاف على أهله واختفى أيامًا في داره.

فالقرآن في هذه الآيات يخبرهم أنَّ الوثنية ستفنى في قريش.

وبالفعل هذا ما حصل، ولم يمُتِ النبي صلى الله عليه وسلم إلا وانتهت الوثنية من قريشٍ للأبد.

فللقرآن أثرُهُ العجيب؛ تُسلِّم له النفس سريعًا، ولو كانت نفسَ كافرٍ معادٍ للقرآن.

وأنت قد تعرضُ عليك شبهة، فتُورِد عليها الردود العلمية والعقلية وأقوال أهل العلم، لكن ما أن تأتي بآيةٍ قرآنية في موضع الشاهد حتى يزول الإشكال، ويطمئن السائل ولو كانت ملحدًا، وهذا من عجائب أسرار القرآن.

فللقرآن أثرٌ عجيبٌ في النفس.

يقول الجبير بن مطعم أنَّه حين كان كافرًا وذهب ليفاوض النبيَّ صلى الله عليه وسلم في أسْرى بدر يقول: "سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في المَغْرِبِ سورةَ الطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذِه الآيَةَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [سورة الطور: 35-37]، قالَ: كَادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ"[8].

مع أن الجبير بن مطعم أتى متحفزًا ضد الإسلام، لكن ما أن سمع سورة الطور حتى خلبت أحاسيسَه سكينةُ القرآن.

فللقرآن أسرارُهُ الخاصة ومعارجُهُ الإيمانية!

المراجع

  1. 1 متفق عليه، البخاري ح:7274، مسلم ح:152
  2. 2 متفق عليه، البخاري ح:862، مسلم ح:638.
  3. 3 تخريج المُسنَد ح:23814، إسناده صحيح.
  4. 4 صحيح الجامع ح:7978.
  5. 5 إبراهيم السكران، كتاب: رقائق القرآن، وكتاب: الطريق إلى القرآن.
  6. 6 رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد.
  7. 7 إبراهيم السكران، كتاب: رقائق القرآن، وكتاب: الطريق إلى القرآن.
  8. 8 صحيح البخاري، ح: 4854
التالي → 63 - ما أفضل طريق لتفنيد الأفكار المنحرفة؟ ← السابق 61 - لكنَّ بعض الملاحدة يقول: هناك مرجعٌ صينيٌّ قديم ذَكَرَ هذا ا