الرئيسية صحة الإسلام أعظمُ بُرهانٍ على صحَّةِ الإسلامِ
السؤال 66

لكنَّ بعض الملاحدة المعاصرين حاولوا أن يُحاكوا أسلوب القرآن؟

مشركو العرب كادت تطير قلوبهم من قوة القرآن، ويأتيك ملحد معاصر لا يجيد نطق العربية نطقًا صحيحًا، فيأتي لمحاكاة بعض نصوص القرآن مستخدمًا نفس العبارات القرآنية والأساليب القرآنية واللغة القرآنية.

فطاحل المشركين شعراء الجاهلية لو عرفوا أنَّ تحدي القرآن سيكون بهذه الطريقة لربما انتحروا كمدًا!

فالملحد يستخدم عبارات قرآنية خالصة وأساليب قرآنية حصرية.

فهل هذا تحدٍّ للقرآن؟

الذي يريد تحدي القرآن عليه أنْ يأتي بنسقٍ جديدٍ كالذي جاء به القرآن، وليس مجرد التقليد المضحك!

تخيل شخصًا يتحدَّى الموناليزا فيُحضر نفس الموناليزا ويصبِغ شعرها، ويقول لك: ها أنا تحدَّيتُ موناليزا دافنشي!

تخيَّلْ رد فعل دافنشي!

سيسخر دافنشي من هذا الأسلوب السمج.

إذا أردت تحدي القرآن، فأنت مُطالب بنسق ثوري جديد في اللغة كالنسق الثوري الذي أحدثه القرآن.

ولغة العرب شعر ونثر وقرآن.

ولذلك توقف كُفار العرب عن تحدي القرآن، ومن تقدَّم منهم كمسيلمة الكذَّاب صار أضحوكة.

فهذا الطرح السمج من بعض الملحدين المعاصرين دليلٌ مستقلٌّ على إعجاز القرآن.

ولم يزل القرآن يقرع المشركين البلغاء أشدَّ التقريع، ويُسفه أحلامهم، ويذمُّ آلهتهم، ويتحداهم أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، مُحجِمون عن مماثلته.

بل لقد قال الله عز وجل للمشركين: {لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [سورة البقرة: 24].

فما فعلوا، ولا قدروا.

وللإنسان أن يتساءل: كيف يجرؤ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتحدى أناسًا في جنس ما يحسنون ويبدعون، ثم يتركهم وقد علاهم الخزي على مر السنين؟

يقول د. عبد الله دراز رحمه الله : "ألم يكن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التحدي أن يثير حميَّتهم الأدبية؟

فيهبُّوا لمنافسته، وماذا عساه يصنع لو أنَّ جماعةً من بلغائهم تعاقدوا على أنْ يضع أحدهم صيغة المعارضة، ثم يتناولها سائرهم بالإصلاح والتهذيب كما كانوا يصنعون في نقد الشعر، ثم لو طوعت له نفسه صلى الله عليه وسلم أن يُصدر هذا الحكم على أهل عصره أنهم يعجزون عن قبول تحدي القرآن، فكيف يُصدره على الأجيال القادمة؟

إنَّ هذه مغامرةٌ لا يتقدَّم إليها رجلٌ إلا وهو يعلم أن الجميع سيفشل على مر العصور"[1].

لقد تحدَّى القرآنُ أهلَ البيان في عباراتٍ محرجةٍ، ولم يأتِ أحدٌ منهم بشيءٍ يستريح له الملاحدة!

يقول الألوسي رحمه الله : "فلم ينطق أحدٌ منهم إلى يومنا هذا ببِنْت شفةٍ، ولا أعرب عن موصوفٍ أو صفةٍ، وأظهر الكلُّ العجزَ عن المعارضة في كل وقتٍ وحينٍ"[2].

وقد رأى الكفار أنّ تجميع الجيوش وتحزيب الأحزاب لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهونُ وأيسرُ من معارضة القرآن وقبول التحدي.

فهذا منتهى ما يملكون!

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [سورة فصلت: 26].

وعندما قدِمَ الطفيل بن عمرو الدوسي -رئيس قبيلة دوس في اليمن- وكان شاعرًا مُفوَّهًا، عندما قدم مكةَ استقبله كُفار مكة وكعادتهم حذَّروه من سماع قرآن محمد صلى الله عليه وسلم لئلَّا ينجذب لسحره، حتى حشا أذنه بالقطن لكنَّه شعر أنَّ هذا أسلوب سخيف، فقال في نفسه: "إني لبيبٌ وشاعرٌ، ولا يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فأزال القطن عن أذنه وسمع شيئًا من القرآن فتملَّك عليه قلبَهُ وأسلَمَ"[3].

فأثَرُ القرآن في الفِطر والنفوس عجيبٌ، فالقرآن يُذيب جبال الغِلظة، ويشرح الصدر، ويخطف الألباب.

وكان أبو بكر حين يقرأ القرآن تصطفُّ نساء المشركين حول بيته من فرط انجذابهم وتأثرهم بالقرآن، حتى أفزع ذلك رجال قريش[4].

فللقرآن سطوة على القلوب عجيبة، فهو يزرع اليقين في القلب ويغرس الإيمان.

ولما سمع الوليد بن المغيرة وهو من أشد الناس كفرًا، لما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعض القرآن قال: "وماذا أقولُ فواللهِ ما فيكم رجلٌ أعلمَ بالشِّعرِ منِّي، واللهِ ما يُشبهُ الَّذي يقولُ شيئًا من هذا، واللهِ إنَّ لقولِه لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّه لمنيرٌ أعلاه، مشرقٌ أسفلُه، وإنَّه ليعلو وما يُعلَى عليه"[5].

أما النَّضر بن الحارث فكان يقول: وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلَّها، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيمٌ.

فالكل كان يُجمع على إعجاز هذا القرآن، ولم يمنع المشركين من الإسلام إلا الكِبْر والحقد!

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [سورة النمل: 14].

المراجع

  1. 1 النبأ العظيم، د. عبد الله دراز، ص44-45.
  2. 2 الدلائل العقلية، الألوسي. مخطوط.
  3. 3 دلائل النبوة، الأصبهاني 1/312.
  4. 4 صحيح البخاري، ح:3905.
  5. 5 لباب النقول، السيوطي، 319، بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
التالي → 67 - هل من الممكن ذِكر معجزة قرآنية غير الإعجاز البلاغي؟ ← السابق 65 - ما سمات إعجاز القرآن البلاغي؟