سيرة النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي بُرهان عظيم مستقل على صحة الإسلام!
إذا نظر أيُّ إنسانٍ يعقل من أي أُمَّة، أو من أية ديانة، إذا نظر في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فسيعلم أنه أمام نبيٍّ عظيمٍ.
فسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي أكملُ وأوثقُ وأعظمُ سيرة لإنسان في تاريخ البشر!
أكمل سيرة من ناحية المعرفة بكل تفاصيلها، ودقائق حياته صلى الله عليه وسلم في حِله وترحاله وشبابه وشَيبته، ولا توجد سيرة منقولة أكمل من سيرته.
وأنت لا تذكر حالك قبل عشرين عامًا، ولا تذكر تفاصيل حياتك أنت التي بين جنبيك، في حين نقل ابن حزم في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم فقط مئات الصفحات!
تخيل أنَّ الصحابة نقلوا أنَّه صلى الله عليه وسلم سَعَلَ سَعْلة في صلاته: "أخَذَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَعْلَةٌ فَرَكَعَ"[1].
نقلوا كل تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم ؛ فسيرته أكمل سيرة.
وسيرته أوثق سيرة، فهي أوثق سيرة من ناحية النقل، حيث نقلها أصدق الناس، وهم الصحابة... الصحابة الذين كانوا لا يجيزون الكذب فيما دقَّ!
وكانوا يعلمون أنَّ كذبًا عليه ليس ككذبٍ على أحد.
"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار"[2].
فهؤلاء الصحابة نقلوا نقل الثقة عن الثقة كل كبيرة وصغيرة في حياته صلى الله عليه وسلم ، بل وحرصوا على ضبط كل حرفٍ قاله.
فمثلًا في حديث: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الدُّبَّاءِ والمُزفَّت أن يُنتبذ فيه، قيل لسفيان: أن يُنبذ فيه؟ قال: لا... ينتبذ فيه[3].
كانوا يحرصون على الحرف من فمه صلى الله عليه وسلم .
وسيرته أعظم سيرة؛ لأنها سيرة أعظم إنسان مشى على الأرض:
أعظم قائد، أعظم زوج، أعظم أبٍ، أعظم مربٍّ، أعظم قدوة، أعظم معلم، أعظم ملهم، أعظم تقي، أعظم عابد، وكل عاقل نظر في سيرته بغضِّ النظر عن دينه سيقطع أنه أمام أعظم شخصية ظهرت في التاريخ!
يقول مايكل هارْت الفيزيائي اليهودي: "اختياري لمحمد صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة الأشخاص الأكثر تأثيرًا في العالم قد يفاجئ بعض القُرَّاء، ولكنه بالفعل أكثر شخصية مؤثرة في التاريخ".


فمَن نظر في سيرته صلى الله عليه وسلم ، علِمَ أنَّه أمام أعظم إنسانٍ ظهر في التاريخ!
ومن أول أيامه صلى الله عليه وسلم في الدنيا تلوَّنت عليه الأحوال؛ من يُتم وفقرٍ وخوفٍ ثم قتلٍ لأحبائه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بالحبس والتجويع، فقد حبسوه في شِعب أبي طالبٍ ثلاث سنواتٍ وأغروه بالمال والرياسة، وحاولوا قتله مراتٍ، وكان يقرأ في مجامعهم القرآن وفيه ذمُّ آلهتهم.
فظلوا يمكرون به ويحاولون اغتياله، وحاصروا داره، ومكروا به كل مكرٍ[4].
وتضرَّع أهلُه إليه أن يلين لقومه من قريش، وأن يتوقف عن تسفيه أحلامهم فلا يزدادُ إلا إبطالًا للباطل.
وعرض عليه المشركون العروض السخية: المال والرياسة، ليس من أجل أن يتوقف عن دعوته؛ لا... وإنما فقط ليتركهم وآلهتهم، لكن دعوته كانت وحيًا يُوحى ليست مِن قِبل نفسه حتى يتركها لأفضل العروض المتاحة!
كانوا يتمنَّون منه مهادنةً على باطلِهم، فلم يزدد إلا تسفيهًا لكفرهم.
لقد أقام بقلةٍ قليلةٍ من أصحابه ثلاثة عشر عامًا بين قومٍ يريدون قتله هو وأتباعه بأي ثمن.
فهو صلى الله عليه وسلم في مجموع التعذيب والأذى، لم يُعذب نبيٌّ ولم يُؤذَ نبيٌّ مثل ما أُوذي صلى الله عليه وسلم [5].
وبعد هذا الصبر والثبات على الحق وعلى الدعوة إلى الله أيقظ اللهُ بدعوته أُمَّة عظيمة فُتحت لها ممالك الأرض، وسادت العالم بالتوحيد.
لقد كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس خُلُقًا وأمانةً وصدقًا، وهذا باعتراف كفار مكة قبل غيرهم، قالوا له في أول يومٍ دعاهم فيه للإسلام: "قالوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إلَّا صِدْقًا"[6].
ولذلك آمن كبار الصحابة قبل أنْ يروا المعجزات، وقبل أن يَنشق القمر، وقبل الإخبار بالمغيَّبات.
آمنوا وصبروا على شدة ما لقَوا من بأس كفار قريش؛ لأنهم يعلمون أنَّ هذا وحي الله إلى العالم!
وآمن في أول يومٍ مِن دَعْوته أعرفُ الناس بخبرِه... آمنتْ زوجته، والتي هي أكثرُ الناس اطلاعًا على سره وعلنه، وآمن صاحبه والعارف بدقيق حاله أبو بكر، وآمن مولاه زيد بن حارثة، وآمن من يُربيه في كنفه علي بن أبي طالب، وكلهم يعرفُ ويبصرُ سيرتَه ويشهد إرهاصاتِ نبوتِه.
ألَا تعرفون الرجل؟
ألَا تعرفون خُلُق الرجل، وأمانة الرجل، وصدق الرجل، وسيرة الرجل، وعقل الرجل؟
أعِظُكُم أن تقوموا للنظر والتفكُّر في حاله.
فمن نظر في حاله وسيرته سيعلم تمامًا أنه أمام نبي، وهذا وحده برهانٌ مستقلٌّ على صحة الإسلام!
وكان صلى الله عليه وسلم ترجمةً عمليةً لأوامر القرآن، فقد كان خُلُقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها [7].
69- لكن كيف كان حال البيئة التي بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم من الناحية الأخلاقية؟
تكفيك هذه الآيةُ لتعرف شكل البيئة التي بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ: كانوا يقتلون أولادهم!
وكانت الحروب الطويلة الأمد تُقام لأتفه الأسباب!
وكان فيهم شُرب الخمر حتى إنَّ مطلِع أشعارهم كان في مديح الخمر، بل معنى التجارة عند العرب في الجاهلية هو: تجارة الخمر.
واشتهر بينهم الميسِر –المقامرة- في كل شيءٍ، قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يُقامر على أهله وماله فيقعد حريبًا سليبًا[8].
حَرِيبًا: أي مُفلسًا.
أما الربا، فكان تجارةً متأصلةً، وكانوا يزيدونه أضعافًا مضاعفةً مع كل تأجيلٍ في سداد الدَّيْن.
والزنا كان منتشرًا جدًّا!
وكان الوأد للأطفال في كل قبائل العرب، كما ذكر الهيثم بن عَدِي، وكان بعضهم يئِد السوداء تشاؤمًا، وكان الآخر يئد خشية لحوق العار.
يقول صَعصَعة بن نَاجية: "جاء الإسلام، وقد فديت ثلاثمِائة موءودة"[9].
وكانوا يقتلون أولادهم خشية الإنفاق وخوف الفقر، وكان بعضهم ينذُر إذا بلغ عدد أولاده عشرًا نحر واحدًا منهم، كما حصل مع عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم .
في هذه البيئة أتى الإسلام!
في هذا الجو ظهر النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم .
قال المقداد بن الأسود: "واللهِ لقد بُعِثَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أشدِّ حالٍ بُعِث عليها نبيٌّ مِن الأنبياءِ وفترةٍ وجاهليَّةٍ، ما يرَوْنَ أنَّ دِينًا أفضلُ مِن عبادةِ الأوثانِ، فجاء بفُرقانٍ فرَّق بيْنَ الحقِّ والباطلِ"[10].
وانظر لقول رَجَاءٍ العُطَارِدِيَّ في حال العرب في ذاك الوقت والحديث في البخاري قال: "كُنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وجَدْنَا حَجَرًا هو أخْيَرُ منه ألْقَيْنَاهُ، وأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِن تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عليه، ثُمَّ طُفْنَا به"[11].
وكان يجتمع الرهط فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا والحديث في البخاري[12].
حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث المتفق على صحته: "واللَّهِ إنْ كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ ما نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أمْرًا، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ما أنْزَلَ، وقَسَمَ لهنَّ ما قَسَمَ"[13].
في هذا العالم الحالك السواد جاء نورُ الإسلام، وأنزل الله كتابه؛ ليصحح كل هذا الفساد والظلم والفجور!
عشر وصايا جمعت خصال الخير!
للمرأة نصيب من التركة، وللرجل نصيب من التركة!
فهُمْ متساوون في التكليف، وفي الأجر من الله!
وقال صلى الله عليه وسلم : "إنما النساء شقائقُ الرجال"[14].
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ: إن خفت أن تظلم هذه اليتيمة ولا تعطيها حقَّها، فانكح غيرها كما تحبُّ، مثنى وثلاث ورباع، واترك هذه لمن يعطيها حقها كاملًا... اتركها لمن يُكرمها.
جاء الإسلام بإصلاح عقيدة الناس، وبإصلاح سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم... جاء بإكرام المرأة واليتيم والطفل، بل وحِفظ حقوق الدواب والشجر... الإسلام جاء بإصلاح العالم بما فيه.
استمِعْ لما قال جعفر بن أبي طالب الصحابي الجليل حين تكلَّم بين يدي النجاشي ملك الحبشة، وهو يصف له الإسلام ويخبره لماذا ضحَّوْا كل هذه التضحيات من أجل هذا الدين، ولماذا تركوا الأهل والبلد وهاجروا في الله، قال جعفر رضي الله عنه : "أيُّها الملِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونَأتي الفواحشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكنَّا على ذلكَ حتَّى بَعَث اللهُ إلينا رسولًا منَّا نَعرِفُ نسبَه وصِدْقَه، وأمانتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لِنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دُونِه مِنَ الحجارةِ والأوثانِ، وأَمَرَنا بصِدْقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلَةِ الرَّحمِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والكفِّ عنِ المَحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذْفِ المُحْصنةِ، وأَمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وحْدَه لا نُشرِكُ به شيئًا، وأَمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ - قالتْ: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ -، فصدَّقْناه وآمَنَّا به، واتَّبَعْناه على ما جاءَ به، فعَبَدْنا اللهَ وحْدَه فلمْ نُشرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنا ما حَرَّم علينا، وأَحْلَلْنا ما أَحَلَّ لنا، فعَدَا علينا قومُنا فعَذَّبونا، وفَتَنونا عن دِينِنا؛ لِيَرُدُّونا إلى عبادةِ الأوثانِ مِن عبادةِ اللهِ، وأنْ نَستحِلَّ ما كنَّا نَستحِلُّ مِنَ الخبائثِ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمونا وشَقُّوا علينا وحالوا بيْننا وبيْن دِينِنا، خرَجْنا إلى بلدِكَ"[15].
بهذا جاء الإسلامُ... وبهذا ساد الإسلامُ!
وقد أخبر اللهُ عز وجل بنصر نبيه، وكان العرب يسخرون حين يسمعون أنَّ هذا الرجل سينتصر ويُبطل الباطل في شرق الأرض وغربها، فجاء الإسلامُ وفتح اللهُ للمسلمين ممالك الأرض، وسادت كلمة التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها.
فلم يطرق العالمَ ناموسٌ أفضلُ ولا أعظمُ من هذا الناموس.

***