فجهاد الحجة والبيان هذا أشدُّ أنواع الجهاد على قلوب دعاة الكفر، فهو أصعب شيءٍ عليهم، بل هو أشدُّ على قلوبهم من الجيوش الكبيرة؛ لأنَّ به تُفضح أكاذيبهم، وتُفند شبهاتُهُم.
قال ابن حزم رحمه الله : "ولا غيظ أغيظ على الكافرين والمبطلين من هتْك أقوالهم بالحجة الصادعة، وقد تُهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تُغلب أبدًا فهي أدْعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمَّة"[2].
وتفنيد الأفكار الفاسدة هو: "وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه"[3].
وهذا غاية ما أتت به الرسل.
وللجهاد عند الله أجر عظيم، سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ عز وجل ؟ قالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، فأعَادُوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلكَ يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقالَ في الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ مِن صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ[4].
فأجر الجهاد في سبيل الله عظيمٌ، والانشغال عن الجهاد في سبيل الله سمَّاه القرآن تهلكة.
فالانشغال بالدنيا عن ميدان الدعوة إلى الله، والدفاع عن دين الله بقدر ما تستطيع هذه تهْلُكَة.
وما أيسر أن يقف المسلم على ثغرٍ من ثغور الإسلام.
ما أيسر أنْ يُسهِم في مشروع دعوةٍ إلى الله بمال أو وقت أو تعلُّم علم شرعي؛ ليدعو به إلى الله أو تعلُّم لغة جديدة يدعو بها إلى الإسلام الناطقين بتلك اللغة، أو تعلم مونتاج يستخدمه في الدعوة إلى الله.
أو أنْ يتكفَّل بطالب علم، أو يتكفَّل بشخص يتعلَّم لغة جديدة يدعو بها إلى الله عز وجل ، فكل هذا جهاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من جهَّز غازيًا فقد غزا"[6].
تخيَّل لو أصلح الله بك إنسانًا!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ادعُهم إلى الإسلامِ، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم، فواللهِ لَأن يُهدى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَمِ"[7].
ليس أحسن من الدعوة إلى الله.
فلا يحلُّ للإنسان أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به[8].
قال الغزالي رحمه الله : "فالقسوة والغلظة تثير دواعي المعاندة والمخالفة، وترسخ الاعتقادات الباطلة"[9].
فالدعوة إلى الله تحتاج حكمة وبصيرة وصبرًا.
أيضًا تحتاج الدعوة إلى الله إلى شيءٍ من الحذر، فلا يُعقل أن يتمَّ مثلًا عمل دعاية مجانية لأصحاب الشبهات ودعاة الباطل!
فهناك ملاحدة لم ينتشروا إلا بالرد عليهم، فانتبه واحذر من هذا!
لا يصحُّ مثلًا أن يتمَّ عمل مناظرات مع ملحدين في وسط العوام!
فقلوب الناس قد تعلق بالأشياء الشاذة.
فلماذا تُعرِّض فطرة الناس الصافية لأشياء كهذه؟
يقول الشيخ مصطفى صبري رحمه الله : "في المناظرة التاريخية بين الشيخ محمد عبده والعلماني فرح أنطون، الذي فاز رسميًّا هو الشيخ محمد عبده، لكن الذي اشتهر وذاعت أقواله هو فرح أنطون".
فالأفكار الفاسدة لا تُناقَش بين مَن لا تعنيهم، وإنما تُناقش فقط بين المتأثرين بها، أو بين مَن يغلب على الظن انتشارها بينهم.
أما أن أناظر هذا وذاك وأقوم بعمل دعاية مجانية لهذا وذاك، فهذه مشكلة!
ولم يكن لهم قهر ولا ذلٌّ أعظم مما تركهم السلف، لا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلًا.. حتى جاء المغرورون ففَتحوا لهم طريقًا، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت شبهاتُهم أسماعَ مَن لم يكن يعرفها من الخاصة والعامة"[10].
فلا بد من الحكمة في الدعوة إلى الله.
أيضًا لا يُجاب بين الناس إلا على ما شاع واشتهر من شبهات، وإلا فالشبهة الميتة، تُترك ميتة.
ولا بد أن يُوضِّح الداعية لمن يتابعونه بضرورة الامتناع عن الاستماع للأفكار الباطلة والشبهات.
قال أبو قِلابة رحمه الله : "لا تجالسوهم -أي: أصحاب الشبهات والأفكار الفاسدة- ولا تخالطوهم، فإنه لا آمنُ أن يفسدوكم، أو يُلْبسوا عليكم كثيرًا مما تعرفون".
وقال ابن قدامة رحمه الله : "كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم، والاستماع إلى كلامهم"[11].
فالأفكار الفاسدة والشبهات تَجُرُّ مع الوقت إلى القلب الوساوس والتصوُّرات الضالة.
قال الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن الراوندي: "وكان يلازم الملاحدة، فإذا عُوتب قال: إنما أريد أن أعرف أقوالهم إلى أنْ صار ملحدًا وحط على الدين والملة"[12].
وكثير من الناس لعدم التزام الأمر الإلهي بحرمة الجلوس بين مَن ينشرون الكفر والشبهات، ولضعف علمهم ولغلبة الهوى عليهم تأثَّروا، وبعضهم ربما فُتن في دينه بشبهة.
فكيف يُعرِّض المسلم دينه الذي هو أغلى ما يملك لمخاطرة كهذه؟
نعم كل شبهة ولها ردٌّ، لكن ما يُدريك أن تصل للرد قبل أن يزيغ قلبُك؟
لذلك كان تحريم الاستماع لأصحاب الشبهات ابتداءً.
قال سفيان الثوري رحمه الله : "من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يُلقها في قلوبهم".
أوردها الذهبي وعلَّق عليها بقوله: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة"[13].
لو عمل المسلمون بذلك لاختفى أصحاب الشبهات ذاتيًّا، فتجارة أصحاب الشبهات بين الجهلة ممَّن ينشرون شبهاتهم أو يحضرون بينهم.
إذنْ تعليم الدين للناس، وإصلاح عقيدتِهم، ودعوة الناس للإسلام، والرد على مَن يطرحون الشبهات الإلحادية، والرد على دعاة الأفكار الفاسدة، هذه كلُّها صور عظيمة من صور الجهاد في سبيل الله.
فهذه كلُّها أبوابُ خيرٍ وبركةٍ: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}.
فمَن بايع على الدفاع عن دين الله؛ فليبشرْ فهذه أعظم صفقة في حياته.
والدعوة إلى الله هي وظيفة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وطريقة مَن تبعهم بإحسانٍ، وإذا عرَف الإنسان معبوده، ونبيَّه، ودينه، فإن عليه السعي في إنقاذ إخوانه بدعوتهم إلى الله عز وجل ، وليُبشر بالخير[14].
وسيظل في المسلمين مَن يدافع عن دين الله إلى قيام الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ كَذلكَ"[15].
سيبقى إلى قيام الساعة مَن يدافع عن الحق، وهُم مُنتَصِرونَ غَالِبونَ.
وتعزيرُهُ صلى الله عليه وسلم : بنصر دينه، وصون رسالته عن كل مفترٍ[16].
فكن واحدًا من الدعاة إلى الله.
انصر دين الله ولو بكلمةٍ، ولو بموقفٍ، ولو بدعوة إلى الله.
***