ج: في البداية يمكن حصر الشبهات في الإسلام على ثلاثة صور:
أ- إما آثار ضعيفة: حديث لا يصحُّ أو أثر ضعيف.
ب- أو اجتهادات غير معصومة: قول لأحد العلماء أو اجتهاد عند بعض أهل العلم.
ج- أو تصوُّر عقلي يقدمه صاحبه على النص الشرعي.
هذه مصادر الشبهات في الإسلام.
وهنا لنا أنْ نسأل: كيف تكون مشكلة المسلم مع أثرٍ ضعيفٍ، أو اجتهاد غير معصوم، أو تصور عقلي تخميني يقدمه على النص الشرعي، ولا ينتبه في الوقت نفسه لما لا حصر له من النصوص الصحيحة الثابتة التي تتناول معجزاتٍ وآياتٍ جرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي نقلها أصدق الناس وأكثرهم تحريًا للضبط؟
بمعنًى آخر: لو سلَّمت بالشبهة لكان من باب أوْلى أنْ تُسلم بكل المعجزات والآيات التي تقطع بنبوته صلى الله عليه وسلم .
آية: هذا القرآن... تلك الآية الخالدة.
آية: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وما فيها من آيات لا تجري إلا على يد نبي.
آية: البشارات به قبل قدومه صلى الله عليه وسلم باسمه وصفته ونَعْته ومكان بعثته.
آية: تأييد الله له، وعدم موته إلا وقد كَمُلَ الدين وتمَّ.
بل ما من شبهة إلا وتحمل في داخلها آيةً على صحة الرسالة، وهذه أمر سنُفصل فيه في الفصول القادمة في الرد على الشبهات التفصيلية.
فكيف لا ينتبه المسلم طارح الشبهة للبراهين على نبوته صلى الله عليه وسلم ؟
وأيُّ شبهةٍ هذه التي تجعل المسلم ينزعج بجانب هذه البراهين؟
قد يقول طارح الشبهة: أنا أقطعُ بنبوته صلى الله عليه وسلم ، لكن عندي إشكال عقلي في نقطة معينة!
ونقول له: قبل أن تعرف جواب إشكالك لا بد أن تُسلِّم أنَّ هذا الإشكال ناتجٌ عن تصوُّر وهمي في ذهنك.
قد يقول: لماذا أقطع بأنَّ كل شبهة حتى قبل أن أسمع الرد عليها هي نتاج تصوُّر وهمي أو سوء فهم في ذهني؟
والجواب: لأنَّه بالدليل العقلي لو افترضنا أنَّ شخصًا لديه شهادة الطب، وتعطيه شهادتُهُ الحقَّ في مزاولة المهنة... لديه شهادة معتمدة بهذا، هل تُشكِّك في كون هذا الشخص طبيبًا لمجرد أنَّه وصف دواءً لم تفهمه؟
لا طبعًا.
هل تُشكك في كونه طبيبًا لمجرد أنَّ مريضًا لم يصل للصورة التي كنت ترجوها بعد تناول الدواء؟
لا طبعًا.
فثبوت الطب له يجعلك تستوعب أنَّك قد لا تفهم طريقة عمل الدواء، وتستوعب أنَّ المريض الذي تأخَّر شفاؤه قد لا يكون تناول الدواء بالصورة التي وصفها الطبيب، وتستوعب أنَّه قد يكون لله حكمة في تأخر شفائه.
فلا تَرد إلى ذهنك مشكلة طالما علمت أنَّه طبيب، بل تعلم تمامًا أنَّ ما لم تفهمه من وصفاته الطبية راجع لقصور عقلك، وقلة علمك لا أكثر.
أليس كذلك؟
هذا يحصل في حال طبيب ليست وصفاتُهُ وحيًا يوحى من الأساس، ومع ذلك أنت تبرر له كل ما لم تفهمه من وصفاته.
فكيف بالنبي الذي يُوحى إليه، والذي لا ينطق عن الهوى؟
كيف بالنبي المعصوم الذي تؤمن بنبوته؟
فطالما ثبتت عندك نبوة النبي، واستقام لك الاعتقاد الغيبي بصحة رسالتِهِ، فمن البديهي أنه لا يضُرُّك ما لم تفهمه من نصوص الوحي.
وبالتالي سوف تقطع بالبداهة أنَّ شبهتك هي مجرد تصوُّر وهمي وقتي في ذهنك.
فطالما ثبتت نبوته عندك ابتداءً إذنْ لا تضرك شبهة في دينك أبدًا.
فما بالك وكل شبهة في الإسلام تم جوابها؟
فأهل العلم (أولو الألباب) بفضل الله ما تركوا من شيءٍ إلا بيَّنوه للناس.
ما تركوا من شبهة، ولا شاردة، ولا واردة، ولا شاذَّةً، ولا فاذَّةً في دين الله إلا وبيَّنوها للناس.
فأنت فقط تجرَّدْ لله وابحثْ عن الرد، وستعجب من بساطة شبهتك.
لو استقرَّ في ذهنك ثبوت النبوة، وقطعية صحة الرسالة، سوف تتضاءل في عينيك كل شبهة، وسيكون بحثك في الرد على الشبهة هو فقط من باب النظر في أبواب الحكمة الإلهية، ولمزيد تفقُّه في دين الله، وهذا المفترض أن يكون حال كل مسلم مع الشبهة.
ولن يهتزَّ قلبك لمجرد أنك لا تعرف جواب شبهة.