ج: تخيَّلْ إنسانًا تضخمت الدنيا في عقله، وصارت أكبر همه، وبالتالي تضاءلت الآخرة.
هذا الشخص لن يستوعب الجهاد، لن يستوعب أن يُضحي الإنسان بنفسه، ويضحي بالدنيا العظيمة في مقابل الآخرة الصغيرة في عقله.
فالدنيا صارت أكبر همه.
فيشقُّ على مثل هذا جدًّا تشريعُ الجهاد، وتظهر عنده الشبهة!
فالدنيا شيء عرضي بسيط في مقابل آخرة أبدية.
لو عادت الأمور لنصابها الطبيعي، سيرى ساعتَها أنَّ الجهاد أمرٌ بديهيٌّ، وسيرجو من الله أن يُرزق شهادةً في سبيله.
وبالتالي لن يكون لشبهة الجهاد وجود أصلًا.
فلا تُغرينَّ صاحبَ الشبهات فروضُهُ العقلية، ولا يغتر بتخيل عقلي يضعه في مقابل نص شرعي؛ لأنه لو ضبط نظرته، وضبط شهوته لَسخِر من فروضه العقلية التي يضعها في مقابل تشريع الله.
فمعطيات الفروض العقلية متفاوتة للغاية ومتناقضة لأبعد ما نتصوَّر.
والفروض العقلية لا تملك أيَّ عتادٍ حقيقي يمنعها من التورُّط في صناعة الخرافة والأسطورة والوهم والهلاوس.
فالفروض العقلية تأتي بالشيء ونقيضه، فهي: تبني وتهدم.. ترفع وتخفض.. تؤله وتوثن.
وللفروض العقلية أقيسة لانهائية؛ لأن أصل مبناها الهوى.
يقول ابن قُتيبة رحمه الله : "وقد كان يجب مع ما يدَّعونه -في تقديسهم للفروض العقلية- ألَّا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمُسَّاح والمُهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدلُّ إلى على عددٍ واحدٍ، فما بالُهم أكثر الناس اختلافًا؟
لا يجتمع اثنانِ من رؤسائهم على أمرٍ واحدٍ"[1].
وقال فيهم الغزالي رحمه الله : "فإن خبطهم طويل، ونزاعهم كثير، وآراؤهم منتشرة، وطُرُقهم متباعدة متدابرة"[2].
فالفروض العقلية مبناها الهوى والتصوُّر الفردي؛ لذا هي متفاوتة أشد التفاوت.
فرحمة الله الكبرى هي النبوَّة والرسالة، وكل ما فيها خيرٌ مما يجمعون بفروضهم العقلية المختالة.
فقد كذبوا على أنفسهم بفروضٍ عقليةٍ واهيةٍ.
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: لن تستقيم لهم عند الله حُجَّة.
فلا نجاة إلا بالتسليم الكامل للنص الشرعي، والرضا بحكم الله وأمره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يَكُونَ هواهُ تبعًا لِمَا جئتُ بِهِ"[3].