الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة تفكيك الشُّبْهة
السؤال 5

كيف يُضخم الهوى الشبهة؟

ج: تخيَّلْ إنسانًا تضخمت الدنيا في عقله، وصارت أكبر همه، وبالتالي تضاءلت الآخرة.

هذا الشخص لن يستوعب الجهاد، لن يستوعب أن يُضحي الإنسان بنفسه، ويضحي بالدنيا العظيمة في مقابل الآخرة الصغيرة في عقله.

فالدنيا صارت أكبر همه.

فيشقُّ على مثل هذا جدًّا تشريعُ الجهاد، وتظهر عنده الشبهة!

في حين أنَّه لو بدأ يعود لربه، وينظر للأمور في حقيقتها، ويرى الدنيا على أنها تلك القنطرة التافهة في مقابل آخرة أبدية: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45].

فالدنيا شيء عرضي بسيط في مقابل آخرة أبدية.

لو عادت الأمور لنصابها الطبيعي، سيرى ساعتَها أنَّ الجهاد أمرٌ بديهيٌّ، وسيرجو من الله أن يُرزق شهادةً في سبيله.

وبالتالي لن يكون لشبهة الجهاد وجود أصلًا.

فلا تُغرينَّ صاحبَ الشبهات فروضُهُ العقلية، ولا يغتر بتخيل عقلي يضعه في مقابل نص شرعي؛ لأنه لو ضبط نظرته، وضبط شهوته لَسخِر من فروضه العقلية التي يضعها في مقابل تشريع الله.

ثم إنَّ الفروض العقلية في طبيعتها تتفاوت من شخصٍ لآخر، فكل إنسان يُقدِّم هواه على هوى غيرِهِ، فيرى أن هواه أقرب للحق، وغيرُه يُخطِّئه في هواه، ويرى أنه هو الأوْلى بالحق: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].

فمعطيات الفروض العقلية متفاوتة للغاية ومتناقضة لأبعد ما نتصوَّر.

والفروض العقلية لا تملك أيَّ عتادٍ حقيقي يمنعها من التورُّط في صناعة الخرافة والأسطورة والوهم والهلاوس.

فالفروض العقلية تأتي بالشيء ونقيضه، فهي: تبني وتهدم.. ترفع وتخفض.. تؤله وتوثن.

وللفروض العقلية أقيسة لانهائية؛ لأن أصل مبناها الهوى.

يقول ابن قُتيبة رحمه الله : "وقد كان يجب مع ما يدَّعونه -في تقديسهم للفروض العقلية- ألَّا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمُسَّاح والمُهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدلُّ إلى على عددٍ واحدٍ، فما بالُهم أكثر الناس اختلافًا؟

لا يجتمع اثنانِ من رؤسائهم على أمرٍ واحدٍ"[1].

وقال فيهم الغزالي رحمه الله : "فإن خبطهم طويل، ونزاعهم كثير، وآراؤهم منتشرة، وطُرُقهم متباعدة متدابرة"[2].

فالفروض العقلية مبناها الهوى والتصوُّر الفردي؛ لذا هي متفاوتة أشد التفاوت.

فرحمة الله الكبرى هي النبوَّة والرسالة، وكل ما فيها خيرٌ مما يجمعون بفروضهم العقلية المختالة.

ومن ظن أنَّ له بفروضه العقلية حُجةً على ضلاله يوم القيامة فهو واهم: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16].
{انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24].

فقد كذبوا على أنفسهم بفروضٍ عقليةٍ واهيةٍ.

وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: لن تستقيم لهم عند الله حُجَّة.

وما أعجب أن يفترض الإنسان بوهم عقله على شرع ربه، فهل هناك أحكمُ أو أعدلُ أو أعلمُ من شرع رب العالمين؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
فهو سبحانه الخالق وهو الأعلم بما يصلح العباد: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [المُلك: 14].
ولذلك لا يُغلب هواه على شرع الله إلا مفتونٌ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].

فلا نجاة إلا بالتسليم الكامل للنص الشرعي، والرضا بحكم الله وأمره.

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] وليس كما تهوى.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يَكُونَ هواهُ تبعًا لِمَا جئتُ بِهِ"[3].

فيكون تسليمك التام لكل ما أمر به الله وتُسلِّم لشرعه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].
ولا تجعل ما لم تحطْ بعلمه من الحكمة في تشريعٍ ما مثلًا حجةً تُكذِّبُ بها دين ربك: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39].

المراجع

  1. 1 تأويل مختلف الحديث، ص14.
  2. 2 تهافت الفلاسفة، ص76.
  3. 3 الأربعون النووية، درجة الحديث: حسن صحيح.
التالي → 6 - كيف أتعامل مع شخص يطرح شبهة ما؟ ← السابق 4 - هل يمكن أن تؤدي الشبهات بذاتها إلى الردَّة عن الإسلام؟