الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة تفكيك الشُّبْهة
السؤال 2

كيف يتعامل المؤمن مع المتشابه؟

المتشابه كما قلتُ يحتمل أوجهًا من التأويل، فقد يستخدمه مَن يريد الكفر ويُؤوله على هواه حتى يبرر به كفره، يقول ابن الوزير اليماني: "فسبب الشك والكفر هو النظر في المتشابهات، التي لم يحطِ البشر بها علمًا، ولا عرفوا تأويلها"[1].

فما اشتبه على الناس فهمُهُ اتبعه مَن يريد الضلال، وفسَّره على هواه وترك المُحْكَم.

أما المؤمن فموقفه مع المتشابه هو أنْ:

1- يُسلِّم بأنَّه من عند الله.

2- يُحيل المتشابه إلى المحكم.

لكن: ما معنى إحالة المتشابه إلى المحكم؟

إحالة المتشابه إلى المحكم تعني: إحالة ما لم يفهمْ معناه إلى ما يفهمه.

ودعونا نعطي أمثلة على ذلك من الشرع والدين.

المثال الأول من القرآن الكريم:

يقول الله عز وجل : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].

فهذا النص متشابه!

فأهل الكتاب والصابئون لو آمنوا بالله وعملوا صالحًا لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

لكن بعد بعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم هل يلزمُهم الإيمان بنُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلم أمْ يكفيهم الإيمان بأنبيائهم فقط؟

الآية لم توضح جواب هذه النقطة، فقد ذكرتِ الآية فقط أنهم لو آمنوا وعملوا صالحًا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

إذنْ هنا يشتبه الأمر.

فماذا يفعل المؤمن؟

يقوم المؤمن ببساطة بإحالة هذا المتشابه إلى المحكم.

وما هو المحكم في هذا الأمر؟

المحكم هو قول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

إذنْ مقصود الآية الأولى أنَّه بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لن يُقبل إيمان بشرٍ إذا لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

وبالتالي فعندما نقوم بإحالة المتشابه في الآية الأولى إلى المحكم في الآية الثانية ينتهي الإشكالُ، ويتحوَّل المتشابه إلى محكم، ونفهم أنَّ مقصود الآية الأولى أنَّ إيمان أهل الكتاب الذي يجعلهم من أهل النجاة ممَّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هو الإيمان بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .

وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم فلا يلزمهم إلا الإيمان بأنبيائهم.

وبهذا ينتهي الإشكال بإحالة المتشابه إلى المحكم، ويصبح القرآن كله محكمًا.

لكن هنا يأتي أهل الزيغ والأهواء فيجعلون المتشابه هو الأصل، ويتجاهلون المُحكم الذي يقضي بضرورة إيمان الناس بنبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يتبع أهل الزيغ هؤلاء إلا المتشابه، فيُقررون أن أهل الكتاب لا يلزمهم الإيمانُ بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول كفرٌ صريحٌ لا يختلف فيه مسلمانِ.

فهذا منهج أهل الأهواء والإلحاد في كل زمان أنَّهم: يكتفون بالمتشابه، ويتركون المُحكم القطعي.

مثال آخر على آية أخرى من المتشابه:

في قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86].

هنا ذو القرنين وجد الشمس تغرب في عين حمئة.

وَجَدَهَا هو، أي: في عينه.

لكن قد يقول قائل: الشمس تدخل داخل عينه حمئة حقيقةً وقت غروبها.

فما هو الردُّ على هذه الشبهة؟

إذا نظرنا إلى المُحكم عرفنا الجواب:

فالمحكم يقول لنا: إنَّ الشمس تجري في فَلكٍ بلا توقُّف: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33].

إذنْ فبإحالة المتشابه إلى المحكم يُصبِح كلُّ شيءٍ محكمًا.

وبالتالي فما اشتبه فهمُهُ، إذا تمَّت إحالته إلى المحكم زال الإشكال مباشرةً.

لكن مَن أراد الزيغ والضلال فإنه يتجاهل المحكم، ولا يتبع إلا المتشابه، ويبدأ في تفسير المتشابه على هواه، فيضلُّ ويزيغُ ويُفتَن، فيُفسر غروب الشمس أنها تغرب في عين حمئة، فيتخذ ذلك ذريعةً لإظهار الشبهة في دين الله.

وهنا نرى معنى الاختبار والتكليف جليَّيْنِ: فهناك مَن يلتزم بالفهم الصحيح ويُحيل المتشابه إلى المحكم.

وهناك مَن يتجاهل المحكم، ويفهم المتشابه على هواه؛ لتظل عنده الشبهة.

وللإنسان أنْ يختار ما شاء من إيمانٍ وكفرٍ.

فمَن أراد الإيمان سيرى البراهين القطعية على صحة الدين (أُمُّ الْكِتَابِ)، وسيقوم بإحالة المتشابه إلى المحكم، ومَن أراد الكفر فسيتبع المتشابه (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ويتجاهل المحكم.

فالأمر سهل، والإيمان والكفر موجودانِ إلى يوم القيامة.

إنَّ نظرة المؤمن هي النظرة الأحكم والأشمل والأعمق للمحكم والمتشابه، فعندما ينظُرُ في الآيات المشاهَدة كالإنسان، فإنَّه يرى الآيات المحكمات في خلقه، فهناك آياتٌ باهراتٌ في كل خلية وعضو ووظيفة وحركة، وهناك أربعة مليارات حرف بضبط مبهر داخل نواة كل خلية، فهذه كلها محكماتٌ يزداد المؤمن بها يقينًا، وحين يذهب المؤمن للنظر في المتشابه في خلق الإنسان كالمرض والبلاء والتشوُّه، فإنه هنا يُحيل هذا المتشابه إلى المحكم، فيقول: إنَّ الذي خلق الآيات الباهرات في جسد الإنسان بهذا الإتقان، فمن الطبيعي أنه قدَّر المرض والبلاء لحكمة واختبار: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].

بينما في الجهة المقابلة لا يرى الملحد إلا المتشابه، ودائمًا يتعلَّل بحجة الشر والبلاء، ويتغافل عن المُحكم والذي هو الأعمُّ الأغلب.

فهذا هو جوهر الفرق بين موقف المؤمن والملحد، فالمؤمن يقول: كلُّ شيءٍ محكمٌ، وبالتالي لا يقع فيه متشابه إلا لغاية.

أما الملحد فلا يتبع إلا المتشابه، ويتجاهل تمامًا الأصل وهو المحكم: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179].

فهنا نظرة المؤمن أحكَمُ وأصلحُ وأشملُ وأعلمُ.

يقول ابن القيم رحمه الله في شرح كيفية إحالة المتشابه إلى المحكم: "ما حكمة هذا النبات المبثوث في الصحاري التي لا أنيس بها ولا ساكن؟... وهذا مقدار عقلك، ونهاية علمك، فكم لباريه وخالقه فيه من حِكمةٍ وآيةٍ من طعام لوحْشٍ وطير ودواب لا تراها تحت الأرض وفوقها"[2].

ويقول ابن الجوزي رحمه الله المعنى نفسه: "عرفتُ بالبرهان أنه حكيم، وأنا أعجزُ عن إدراك علل حكمته، فأُسلِّم على رغمي، مقرًّا بعجزي"[3].

فما ظهر المتشابه في كونٍ محكمٍ إلا لحكمة.

يقول ديكارت في كتابه التأمُّلات: "ليس لديَّ أدنى سبب يجعلني أتذمَّر من أن الله لم يمنحني قدرة أعظم على الفهم، من الطبيعي أن تظلَّ هناك أشياء غير مفهومة بالنسبة لفهمي المحدود، وعوضًا عن التمرُّد يتوجب عليَّ أن أشكر ربي أنَّه لم يجعلني مدينًا له بقدر كرمه عليَّ"[4].

فبدلًا من الخوض في المتشابه، تذكَّرْ المحكم والنِّعم التي لا تُحصى.

تخيَّلْ لو أنَّك مدينٌ لله بقدر نعمه عليك.

تخيل لو أنَّك مدينٌ لله بقدر المحكمات التي امتنَّ عليك بها.

والله لو قضيتَ عمرك في سجدةٍ ما وفَّيت حقَّ نعمة من نعمه عليك.

إذنْ فالمحكم موجود، والمتشابه موجود: فسُنَّة الله في خلقه التكليفُ، وسُنته في التكليف خفاء بعض الحكمة، والفائزُ مَن استدلَّ بما يعلم على ما خفي ودقَّ، أي: استدلَّ بالمحكم على المتشابه، والخاسر مَن جعل مما يجهل، أي: جعل من المتشابه حجابًا يحرمه من الاستدلال بما يعلم من المحكم.

فكل آيات الله في القرآن وفي الكون مُحكمة، وما تشابه بعضُها إلا لقلَّة علمنا، وعدم إحاطتنا بكل المحكم.

المراجع

  1. 1 العواصم (1/214).
  2. 2 مفتاح دار السعادة، 2-649.
  3. 3 صيد الخاطر، 79.
  4. 4 Descartes, R., Meditations and Other Metaphysical Writings, p.49.
التالي → 3 - لكن لماذا لا تكون الأدلة كالشمس؟ لماذا لا يكون هناك دليل قاط ← السابق 1 - لماذا ما زالت هناك شبهات؟ لماذا لا يكون الدين بلا شبهات؟ ألي