ج: بعد فضل الله ورحمته وجُودِهِ ونعمته، ففي الواقع هناك أسباب عدَّة لكوني مسلمًا.
لكنَّ السببَينِ الأساسيينِ هما سببانِ ذاتيَّانِ فطريَّانِ في النفس الإنسانية، لا أحد ينكر أيًّا منهما إلا بالكذب والمكابرة والجحود:
السبب الأول: أنني ككل إنسان على وجه الأرض مفطور على أن لي ربًّا... لي خالق خلقني.
كل إنسان مفطور، ويعلم في فطرته أنه له ربٌّ مليكٌ مقتدرٌ خلقه بالغيب وكلفه ورزقه... مفطور على أنه له ربٌّ مدبرُ كلِّ شيء، ومالك كلِّ شيء وأن ذلك الربَّ هو المستحقُّ وحده للعبادة، الإنسان مفطور على ذلك[1].
فنحن قبل أن نولد فُطرنا على أنَّ لنا خالقًا خلقنا.
وأشهَدَنا الله على أنفسنا أنه ربُّنا ونحن شهدنا بذلك: (قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ).
فالاتجاه لله بالعبادة هو فطرة الله التي فطر الناس عليها.
فأنا مفطورٌ على أنَّ الله هو المستحقُّ للعبادة، وهو المستحقُّ لأن أُخضع رقبتي له.
أنا مفطورٌ على ذلك.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحَّتِهِ: "مَا مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ"[2].
فنحن جميعًا مفطورون على ذلك.
والإنسان يكذب على نفسه إنْ زعَم أنَّه لا يجد علمًا فطريًّا ضروريًّا بأنَّه عبدٌ لربٍّ خلقه بالغيب وكلَّفه، وخلق كل شيء، ويملك أمر كل شيء؛ فيجريه كله على ما يشاء.
الإنسان يكذب إن زعم أنه لا يجد في نفسه هذا العلم الفطري الضروري.
وبسبب هذا العلم الفطري الضروري ما أيسَرَ أن يصل الإنسان للحقِّ، وما أيسَرَ أن يستدلَّ على الحق، وأن يعرف الحق إذا ظهر له؛ لأنَّ لديه مقدماتٍ فطرية تُسهِّل عليه معرفة الحق.
فإذا كنت في البحر وشعرت بالهلاك لن تدعو إلا الله.
فلماذا الإنسان مدفوعٌ في أوقات الشدائد لدعاء الله وحده؟
الدافع هو: الفطرة السليمة الموجودة بداخله.
في الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء هذه المحرقة الدموية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، لاحظ قائد القوات الأمريكية إيزنهاور والذي أصبح رئيسًا لأمريكا فيما بعد، أنَّ كل الجنود مِن كل الأطراف يعودون لله بمجرد نزول أرض المعركة، كما ذكرت هذا الموضوع سابقًا.
فالجندي ولو كان من دول المحور الملاحدة، ما أن ينزل إلى أرض المعركة حتى يعود لله، فقال إيزنهاور كلمته الشهيرة: "لا يوجد ملاحدة في الخنادق".

ففي الخندق وقت الحرب لا يوجد ملاحدة... الكل يعود لله.

فهذه طبيعة النفس الإنسانية، وطبيعة الفطرة أنها فطرة توحيدية نقيَّة.
فأنا مسلم لله بفطرتي.
فهذا سبب ذاتي في النفس الإنسانية.
وهذا البرهان: برهان الإيمان الفطري، من أقوى البراهين على الإطلاق؛ لأنه لا يحتاج شاهدًا من خارجك، بل هو ملزِمٌ لك في قرارة نفسك.
ولو أردت شواهد من خارجك على الإيمان، فالشواهد لا حصر لها.
بالعقل هناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها:
الأول: أنْ نكون خُلقنا من غير خالق: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ( وهذا مستحيل.
كيف نُخلق من غير خالق؟
الثاني: أن نكون قد خلقنا أنفسنا: }أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} وهذا محال أيضًا.
فكيف أَخلُقُ نفسي قبل أن أُخلق؟
إذن يبقى الاحتمال الثالث، وهو الذي سكتت عنه الآية الكريمة؛ لأنه مقتضى العقل وهو: أن لنا خالقًا.
فهذا شاهد عقلي قطعي من خارجي أنَّ لي خالقًا خلقني، وليس فقط شاهد الفطرة.
مثال آخر: تخيَّلْ أن كل معلومات أعضائك كـ: الكبد والعين والكلى والطحال والرئتين والقلب، كل أعضائك توجد مشفرة مكتوبة في كل خلية من خلاياك قبل أن تظهر.
فشفرة تصنيع الكبد توجد في كل خلية من خلاياك جسدك، ويتمُّ فك الشفرة فتظهر الخلايا الكبدية.
الأمر نفسه بالنسبة للرئة ولكل أعضائك، فشفرة تصنيعها توجد في كل خلية من خلاياك، وأنت في بطن أمك، والعجيب أنك لا تحتاج للرئة إلا بعد أن تنزل من بطن أمك، لكن الله؛ لأنه عليم حكيم قدير خلقها قبل أن تحتاج إليها.
فهذه كلها شواهد قطعية تقطع بضرورة الإيمان بالرب الخالق المليك المقتدر الحكيم العليم.
إذن بالفطرة والعقل والنظر تقطع أنَّ لك خالقًا حكيمًا قديرًا.
وأيضًا بالفطرة تعلم أنك مُكلَّف.
فأنت بداخلك تكليف إلهي... بداخلك افعلْ ولا تفعلْ: افعل كذا ولا تفعل كذا... افعلِ الخير ولا تفعلِ الشر... افعل ما يمليه عليك ضميرك، وليس مصلحتك.
معنى التكليف لا ينكره عاقل!
فكل إنسان بداخله شعور التكليف الإلهي، وأحد صور هذا التكليف: صراع الواجب والشهوة... أقوم بفعل الواجب أم ما تشتهيه نفسي؟
فشعور ضرورة الالتزام بالحق وصراعه مع رغبات النفس هو شعور فطري لا ينكره إلا مكابر، فالإنسان يعلم بفطرته أنَّه مُكلَّف.
فكيف لي أن أُكذِّب بكل هذا العلم الفطري الضروري: العلم الفطري الضروري أن لي خالقًا خلقني بالغيب والعلم الفطري الضروري أنني مُكلَّف؟
وهنا قد يقول قائل: لكنَّ المذهب الربوبي يؤمن بوجود الخالق أيضًا، فما الخطأ إذن في الربوبية؟
والجواب: دعاة مذهب الربوبية لو أثبتوا في الغيب ربًّا فلن يجعلوه إلا مُعطلًا عن صفات الربوبية، فالخالق في المذهب الربوبي مفتقر كالطبيعة تمامًا، فهو مفتقر لغيره.
وليس هذا هو الرب المليك المقتدر رب العالمين، خالق كل شيء، المتصرف في كل شيء الحكيم العليم[3].
فالربوبي يجعل ربَّه كالطبيعة أو هو الطبيعة كما عند سبينوزا.
فالطبيعة عند سبينوزا هي التي تخلق.
فدعاة المذهب الربوبي في الأصل يُعطلون صفات الرب وينسبونها للطبيعة، هذا ملخص مذهبهِمْ.
فالربوبية تنسب للطبيعة صفات الرب أو تجعل الرب مفتقرًا كالطبيعة.
لذلك الربوبية عند التأصيل ليسوا أكثر من ملاحدة.
فهم يضعون التأصيلات الإلحادية نفسها: الطبيعة هي التي تخلق وتُصوِّرُ!
ولذلك يُسمِّي ريتشارد داوكينز مذهب الربوبية بـ: "الإلحاد المبالغ فيه sexed-up atheism"[4].
فالربوبية هي مذهب إلحادي.
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ: الذين يُعطلون أسماء الله.
فمَن يُعطل الأسماء والصفات الإلهية هو ملحد.
كيف تضربون الفرضيات والأقيسة في عالم الغيب المحض؟
هل رأيتم كونًا آخر يحلُّ إلهه فيه؟
ثم بأي شيء حكمتم أن خالق العالم لا يتدخَّل فيه، وأنَّه منعزل عنَّا؟
صدقني أيها الربوبي، وأيها الملحد، أنت سفساط مكابر جاحد، تَكذب على نفسك إن زعمت أنك لا تجد في نفسك علمًا فطريًّا ضروريًّا بأنَّك عبدٌ لربٍّ مليكٍ مقتدر، خلقك بالغيب، وكلّفك وخلق كل شيء، يملك أمرك، وأمر كل شيء، فيُجريه كله على ما يشاء، وأن ذلك الربُّ هو المستحقُّ وحده للعبادة، المستحقُّ أنْ تُخضع له نفسك في كل أمر ونهي، فأنت في فطرتك هذه البديهيات مهما عاندتها كِبرًا وجحودًا[5].
فما الطبيعة إلا شيءٌ مفتقرٌ مثلك، فهي شيء مُسخَّر ليس بيده شيء، فلماذا تتكبَّر على فطرتك وتعاندها؟
مَن تحسب نفسك أيها الكافر بربك، يا مَن خرجت من نطفة؟
مَن أنت حتى تُكذِّب الفطرة والنبوات والبعث والحساب والتكليف الإلهي، وتحارب دين الله بالفروض السخيفة والأساطير الشركية؟
فليس في الوجود أسطورة تخالف العقل، مثل أنَّ: الطبيعة خلقت نفسها بنفسها أو خُلقت من غير شيء.
تأبى على الملحد نفسه المريضة بالكِبْر أن يَخضع لرسل الله، وأن ينقاد ويستسلم لله، فأخضع نفسه للطبيعة والأحجار.
إنَّ الإنسان قاصر ضعيف لا محالة، فهو بفطرته عابد متأله مربوب، يُخضع رقبته لمن أوجده، وقدَّر رزقه وحياتَه وموتَه.
لكن الربوبي يعبد وثن الطبيعة، ويعتبرها هي الخالق والمصور.
إن وثن الطبيعة هو أكبر وثن اتُّخذ من دون الله حجمًا.
أخضع الربوبي رقبته للمادة الميتة.
فهل عندكم من حجة على هذا الكفر الأكبر والسب المبين لرب العالمين؟
عندما رفضوا التسليم للخالق اضطُروا لوصف الطبيعة بصفات الخالق التي يوجب العقل تخصيصه بها، وليست غايتهم من كل ذلك إلا نفي صفات الباري رب كل شيء؛ لأنهم يعلمون أنه لا يخلق شيئًا عبثًا، ولن يترك الخلق هملًا، ولن يتركهم، وأنه قيُّوم على خلقه في كل حينٍ، بيده ملكوت كل شيء، وهو السميع العليم[6].
يفعلون كل هذا ليمضوا في أهواء عقولهم كيفما شاءوا من غير شرعٍ يُلزم أو دينٍ يَقودُ.
أما السبب الثاني لكوني مسلمًا، وهو أيضًا سبب فطري ذاتي:
فالإنسان لو أعمل الفِطرة والنظر وتعقَّل الأمور، سيُسلم بنبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قطعًا.
فهو النبي الذي دعا لتوحيد ربه، ذلك التوحيد المتفق مع فطرتي.
فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبادة الله، تلك العبادة التي أفتقر إليها افتقارًا ضروريًّا، وعبادة الله وحده لم يبقَ عليها على وجه الأرض سوى الإسلام.
بقية الديانات صار لها من الشرك ونقص التسليم لرب العالمين نصيب قلَّ أو كثُر.
فبقية الديانات أشركت في عبادة الله.
واليوم لا يوجد دين ينزّه الخالق ويقدّسه، ويأمر بالتسليم الكامل لرب العالمين، ويأمر بالتوحيد والتصديق بالرسل والحث على الصالحات الباقيات مثل الإسلام.
ولا يوجد كتاب يخاطب الفطرة، ويخاطب الإنسان، ويقرأ الإنسان مثل القرآن.
ولا يوجد نبي أعظم سيرةً وتمكينًا في الأرض وأكثر تبشيرًا بقدومه قبل أن يأتي بآلاف السنين، وأفضل تأييدًا بالمعجزات مثل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
فأنا بنظري وعقلي وفطرتي أُسلِّم بنبوته صلى الله عليه وسلم .
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو النبيُّ الذي أخبر موسى فتاه أنه سيظهر بعد أن يُدفن موسى بألفٍ وسَبْعِمِائةٍ وخمسين عامًا.

وقد أخبر موسى فتاه بهذا النبي الذي ستكون رسالته للناس كافة، وسينتصر على عُباد الأوثان.

وبعد 1750 عامًا بالتمام بُعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
ومحمدُ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رآه إبراهيم عليه السلام في رؤياه، فقد رأى أنه سيُبعث بعد اثني عشر قرنًا من خراب الهيكل؛ ليعيد الناس للتوحيد.
وقد خَرُبَ الهيكل في القرن السادس قبل الميلاد، والنبي صلى الله عليه وسلم بُعِث في القرن السادس بعد الميلاد، فقد بُعث بعد اثني عشر قرنًا من خراب الهيكل بالضبط، كما رأى إبراهيم في رؤياه، تلك الرؤيا أخبر بها أهل الكتاب، ويروونها في كتبهم، وليس في كُتبنا[7].

والنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رآه النبي دانيال في رؤياه، ورأى أنه سوف سيظهر بعد ظهور أربعة ممالك تحكم الأرض، وتحديدًا بعد ظهور قسطنطين الكبير بثلاثمائة وخمسين عامًا، وسوف تبقى شريعته إلى قيام الساعة، فهو خاتمُ الرسل.

ليس هذا فحسبُ، بل رأى دانيال أنَّ أمة هذا النبي القادم ستملك مملكة قسطنطين الكبير نفسها... القسطنطينية.

فجاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثمائة وخمسين عامًا من ميلاد قسطنطين الكبير، وملكت أُمَّتُهُ الممالك الأربعة، وفُتحت القسطنطينية في واحدةٍ من أعظم البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي البشارة التي قال عنها قسيس إرميا السابق عبد الأحد داود: "لعلها أروع وأوضح نبوءة عن البعثة النبوية لأعظم البشر وخاتم الرسل"[8].
وهذه البشارات أنا شرحتها بالتفصيل في بحثٍ سابقٍ.
فهي عشرات البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وباسمه وصفته ومكان بعثته.
لقد بشَّرت كتبُ أهل الكتاب باسمه "محمد".


فالإسلام تمَّ وكَمُلَ.
إنَّ الإسلام هو الدين المعصوم، ولم يستطع الملاحدة على شدة حربهم على الإسلام، وعلى شدة حرصهم على تكذيبه، أن يأتوا بنصٍّ واحدٍ صريح في كتاب الله أو في سُنة نبيه صلى الله عليه وسلم يخالف قضية علمية واحدة صحيحة ثابتة.
وهذا محال لو كان من عند غير الله!
محال أن يكون هناك كتاب مكتوب منذ 1400 عام، وفيه مئات النصوص المتعلقة بقضايا علمية، ثم نكتشف أنه لا يخالف قضية علمية مثبتة صحيحة واحدة.
هذا محال، إلا لو كان مُوحًى به من عند الله.
والنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أُيد بالمعجزات، وأَخبر بالمغيبات التي وقعت كما أخبر.
والنظر في سيرته صلى الله عليه وسلم بحد ذاته يقطع بنبوته، فمن نظر في سيرته صلى الله عليه وسلم يعلم أنه أمام أعظم إنسان ظهر في التاريخ.
وقد عَرض عليه المشركون العروض السخيَّة: المال والرياسة، ليس من أجل أن يتوقَّف عن دعوته، وإنما فقط ليتركهم وآلهتهم، لكن دعوته كانت وحيًا يوحى، ليست مِن قِبَل نفسه حتى يتركها لأفضل العروض المتاحة!
فلم يزدد صلى الله عليه وسلم إلا محاربةً لكفرهم، وأقام بقلةٍ قليلةٍ من أصحابه ثلاثة عشر عامًا بين قومٍ يريدون قتله هو وأتباعه بأي ثمن.
وبعد هذا الصبر والثبات على الحق وعلى الدعوة إلى الله، وفي خلال جيلٍ واحدٍ فقط استطاع أنْ يُعيد الناس إلى التوحيد، ذلك التوحيد الذي دعا له كل الأنبياء، وأيقظ صلى الله عليه وسلم بدعوته من الهباء أمةً عظيمة فُتحت لها ممالك الأرض، وسادت العالم كما بشَّر الأنبياء من قبل.
فتعدُّد دلائل الإعجاز يفيد التواتر المعنوي واليقين التام.
وأرسطو فيلسوف بمجموع أعماله وليس بجملةٍ قالها أو تحليلٍ فلسفيٍّ أجراه.
وأبو قراط طبيب بمجموع مشاريعه الطبية وليس بجراحةٍ قام بها.
وكذلك تعدُّد دلائل الإعجاز المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفيد التواتر المعنوي واليقين التام أنَّه نبيٌّ.
فإذا نظرت في سيرته صلى الله عليه وسلم ووجدته صادقًا، وقد اشتهر بالصدق باعتراف أشد الناس له عداوةً، ولم يُرمَ بكذبٍ ولا فجورٍ، ثم هو يُخبِر بالمغيبات فتقع كما هي، وقبل ذلك تتفق عقيدته التي دعا لها من أول يوم مع عقيدة الأنبياء جميعًا، ثم هو الذي يُبشِّر الأنبياءُ بقدومه صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي بمئات السنين، فكل هذا يفيد التواتر المعنوي واليقين التام على صحة الرسالة.
ثم ماذا عن أعظم آية أتى بها، وهي القرآن الكريم؟
القرآن الذي تحدَّى الله به أهل البيان، أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ منه، فما فعلوا.
فما فعلوا، ولا قَدروا.
ولم يزل القرآن الكريم يتحدَّى بُلغاء المشركين، وأهل الفصاحة، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته.
يقول د. عبد الله دراز رحمه الله : "ألم يكن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التحدي أن يثير حميَّتهم الأدبية؟
فيهبُّوا لمنافسته وهم جميعٌ حذرون؛ وماذا عساه يصنع لو أن جماعة من بُلغائهم تعاقدوا على أن يُخرجوا كلامًا يساميه ولو في بعض نواحيه!
ثم لو طوعت له نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره، فكيف يصدره على الأجيال القادمة؟
إنَّ هذه مغامرة لا يتقدَّم إليها رجلٌ يعرف قدر نفسه إلا وهو مالئٌ يديه من تصاريف القضاء، وخبر السماء، وهكذا رماها بين أظهر العالم، فكانت هي القضاء المبرم، فكل من عارضه باء بالعجز الواضح، والفشل الفاضح، على مر العصور والدهور"[9].
فلم يأتِ العرب جميعًا ولا الأمم التي نُقِل لها التحدي بشيءٍ يستريح له الملاحدة ويريحون به غيرهم.
يقول الألوسي رحمه الله : "فلم ينطق أحدٌ منهم إلى يومنا هذا ببنت شفةٍ، ولا أعرب عن موصوفٍ أو صفةٍ".
قالَ: كَادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ"[11].
فالقرآن فيه أسرار عجيبة تصل للنفس الإنسانية.
تأمَّلْ كيف أنَّ نساء المشركين كن يزدحمنَ حول بيت أبي بكر حين يقرأ القرآن من فرط انجذابهنَّ وتأثرهنَّ به، حتى أفزع ذلك رجال قريش[12].
ولذلك اجتمعت كلمة وفود العرب على ألَّا يَسمعوا للقرآن، ولا يُسمِعوه أهليهم، فهذا هو السبيل الوحيد للبقاء على الكفر.
ومن عجائب القرآن الكريم وعجائبه التي لا تنفد ما ذكره د. عبد الله دراز رحمه الله في قضية نزول آيات القرآن في أوقات متفاوتة، ثم يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى وضع بعض الآيات في أماكن محدَّدة بين السور وآيات أخرى بين سور أخرى، ثم تظهر في الأخير كل سورة كبناء مستقل، يقول رحمه الله : "في وقت نزول القرآن كانت بعض المواضيع في القرآن تتزايد بمعزلٍ عن مواضيع أُخرى، وتُكوِّنُ تدريجيًّا وحدات مُستقلة بعد أن تنضمَّ إليها آيات أُخرى نزلت بعدها، وأنَّ بعضها كانت تُضاف هنا، والأُخرى تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يتلقَّاه بدوره من الروح القدس.
فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها - تواريخ نزول آيات القرآن الكريم- ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجهٍ عامٍّ مرتبطًا بظروفٍ ومناسباتٍ خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة.
وكأن القرآن كان قِطعًا متفرقة ومرقَّمة من بناء قديم، كان يُراد إعادة بناؤه في مكانٍ آخر على نفس هيئته السابقة، وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آنٍ واحدٍ، فيما يتعلَّق بكثير من السور؟
ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصَّل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلَّباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلًا عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تُقدم به هذه الحلول، وتوافقها الأُسلوبي مع هذه السورة بدلًا من تلك؟
ألا نستنتج أنَّ اكتمال هذه الخطة وتحقُّقها بالصورة المرجوَّة، يتطلب تدخلًا من خالقٍ عظيم، تتوفَّر عنده القدرة على إقامة هذا التنسيق المنشود؟"[13].
فالقرآن معجزة مستقلَّة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم .
ومعجزاته صلى الله عليه وسلم التي جرت على يديه كثيرةٌ، تزيد على الألف بكثير، والعهد بها قريب وناقلوها هم أصدق الخلق وأبرُّهم.
وهؤلاء الرواة الذين نقلوا إلينا هذه المعجزات كانوا لا يجيزون الكذب فيما دقَّ، فكيف يكذبون عليه، وهم يعلمون أن من كذب عليه متعمدًا فليتبوأْ مقعده من النار، كما حذَّر هو صلى الله عليه وسلم .
وبعض معجزاته صلى الله عليه وسلم شهدها آلاف الصحابة، وبعضها رواه العشرات منهم، فكيف يُجمعون على الكذب في كل هذا؟
ومثال على معجزاته التي حضرها جمع كبير من الناس: حديث حنين الجذع، وهو حديث مشهور متواتر حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على جذع، فلما صُنِع له المنبر، ورقي عليه وخطب حنَّ الجذع، وأنَّ أنين الصبي، ولم يزل يئنُّ ويحنُّ حتى ضمه النبي صلى الله عليه وسلم فسكت.
هذا الحديث رواه من الصحابة: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأُبي بن كعب، وأبو سعيد، وسهل بن سعد، وعائشة بنت أبي بكر، وأم سلمة.
فهل مثل هذا العدد من الصحابة يُجمِع على الكذب في رواية خبرٍ كهذا؟
بل إنَّ بعض معجزاته شهدها آلاف الصحابة مثل: نبع الماء من بين أصابعه الشريفة حتى توضَّأ منه وشرب ألف وخمسمائة صحابي، والحديث متواتر، ورواه البخاري ومسلم.
وقد ذَكرتُ جملةً من هذه الأحاديث في مبحثٍ سابقٍ.
ومن أمثلة هذه الأحاديث أيضًا: تكثير الطعام اليسير؛ ليَطعم منه الجيش العظيم، وهذا أيضًا جاءت به الأخبار المتواترة عن الصحابة، وقد ذَكر البخاري وحده معجزات تكثير الطعام على يد النبي صلى الله عليه وسلم في خمسة مواضع من صحيحه[14].
فإذا كانت أدلَّة الصدق ثابتةً، والمعجزات حافلةً على نبوته صلى الله عليه وسلم ، فأنَّى لعاقل أن يُكذب بكل هذا؟
وهذه أمثلة أخرى يسيرة من معجزاته صلى الله عليه وسلم أُعيدها هنا للتوكيد:
أخبر صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ من الليالي بأن ريحًا شديدة ستهُبُّ، ونهى الناس عن القيام، فقام رجل فحملته الريح وألقته في مكان بعيد عن مكانه[15].
وأُخبر صلى الله عليه وسلم بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وكبَّر عليه أربعًا[16].
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة عمرَ وعثمانَ وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم لن يموتوا على فُرُشِهم كما يموت الناس.
فقد صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل ذات يومٍ هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وطلحةُ والزبيرُ، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجبل: "اهدأ، فما عليك إلا نبيٌ أو صِدِّيقٌ أو شهيد"[17].
فحكم لنفسه بالنبوة، ولأبي بكر بالصدِّيقية، وللباقين بأنهم سيكونون شُهداء، وحصل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم .
وهناك 150 حديثًا دعا فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه، وأُجيب في الحال، والناس يشهدون![18]
وحيث سأل أهلُ مكَّةَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُريَهُم آيَةً، فأراهُمُ القمَرَ شِقَّينِ، حتى رأوْا حِراء بَينهُما، وهذا الحديث متواترٌ، أي: أنَّه في أعلى درجات الصحة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة القمر التي فيها معجزة شق القمر في المجامع الكبار كالجُمَع والأعياد؛ ليُسمع الناس ما فيها من معجزاته صلى الله عليه وسلم ، وكان يستدلُّ بها على صدق نبوته.
ثم إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن آدم هو آخرُ الخلق من الكائنات الحية: "وخَلَقَ آدمَ بعدَ العصْرِ من يومِ الجمعةِ؛ في آخِرِ الخلقِ"[19].
وهذه الحقيقة العلمية صارت الآن ثابتة، فكيف عَلِم صلى الله عليه وسلم بأنَّ آدم عليه السلام آخر الكائنات ظهورًا على الأرض بعد ظهور النبات والحيوان؟
فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ، أي: أنَّ القمر وهو آية الليل كان مضيئًا ثم مُحي ضوؤه.
وهذا بالفعل ما فسَّر به الصحابة الآية الكريمة، فقد روى الإمام ابن كثير في تفسيره أنَّ عبد الله بن عباس ﭭ قال: "كان القمر يضيءُ كما تضيءُ الشمس، وهو آية الليل، فمُحي".
والعجيب أنَّ هذا ما انتهى إليه العلم اليوم، فقد نشرت ناسا على موقعها الرسمي وقناتها الرسمية: الحقبة الأولى من عمر القمر، وكان فيها مضيئًا متوهجًا[20].
فقد ثبت بالتواتر وقوعُ الآيات والإخبار بالمغيبات ودقائق أسرار الأرض والسماوات التي لا حصر لها على يد رجلٍ واحدٍ صلى الله عليه وسلم ، ونزول القرآن عليه، وجاء بما عليه النبيون من قبله، وكان مؤيدًا من عند الله، ولم يَمُت حتى تمَّت الشريعة وكَمُلت.
فالقطع بأنه نبيٌّ هو رشاد العقل!
فآياته صلى الله عليه وسلم الغيبية تزيد على الألف.
ونقَلَة المعجزات هم صحابته أصدقُ الخلق وأبرُّهم بعده.
والعجيب أن كبار الصحابة أسلموا قبل أن يروا المعجزات، فهم أسلموا؛ لأنهم يعلمون أنَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم صادق، وأنَّه لم يكذب قط.
وهذا الموقف من كبار الصحابة هو موقف عقلي حكيم، فصِدقُ النبي صلى الله وعليه وسلم دليلٌ كافٍ مستقلٌّ؛ لإثبات صحة النبوة... وهذا لأنَّ: الشخص الذي يدَّعي النبوة إما أن يكون: أصدق الناس؛ لأنه نبيٌّ... فالنبي هو أصدق الناس.
وإما أن يكون: أكذَبَ الناس؛ لأنه يفتري كذبًا في أعظم الأمور شأنًا.
ولا يختلط أصدق الناس بأكذب الناس إلا على أجهل الناس.
فما أيسر أن يستطيع العاقل أن يُميز بين أصدق الناس، وأكذب الناس.
وقد اعترف المشركون في أول يومٍ من بعثته صلى الله عليه وسلم أنه لم يكذب قط، فقالوا له: "ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا"[22].
وحين سأل هرقلُ أبا سفيان قبل أن يُسلم: "هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال؟".
فقال أبو سفيان: "لا".
فقال هرقل: "لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ".
ثم أكمل هرقل فقال قولته الشهيرة: "لو كنت عنده لكنتُ غسلتُ عن قدميه"[23].
فحال النبي وسيرته دليلٌ مستقلٌّ على أنه نبيٌّ صلى الله عليه وسلم .
فإذا كانت دواعي الصدق عامَّةً متعاضدةً على نبوته صلى الله عليه وسلم ، فأنَّى لعاقل أن يُكذب بكل هذا؟
أما السبب الثالث لكوني مسلمًا:
فهو ببساطة أنَّ كل ما خلا الإسلام خواءٌ، بل لا وجه للمقارنة أصلًا بينه وبين الإسلام.
فلم يبقَ إلا الإلحاد ومجموعة من الديانات الشركية.
تخيَّلْ شخصًا يترُكُ عبادة الله، والتسليم لرسله، ويؤمن بأنَّ الطبيعة والأحجار هي التي تدير العالم، وتخلق العالم!
تلك الطبيعة التي بعقلك وفطرتك تعلم أنها شيءٌ مُفتقِرٌ مثلك... شيء مسخَّر ليس بيده شيء أصلًا.
أو تخيَّل شخصًا يترك عبادة الله الواحد، ويلجأ لآلهة بشرية كيسوع، أو آلهة أرضية كآلهة الهندوس.
فأنا من الفطري أن أكون مسلمًا، ومن العقلي أن أكون مسلمًا.
وأنا مسلم لخلوّ الآخر من البرهان، أو حتى شبهة البرهان.
فلم يبقَ إلا الإسلام، والإلحاد العدمي، وبقايا ديانات امتلأت بالشركيات.
يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْوبنا عَلَى دِينِكَ.
اللهم آمين.