الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة يقينية الإيمان
السؤال 122

ما هي مظاهر التسليم لله تعالى؟ أو بصيغةٍ أخرى: كيف تعرف أنك مستسلمٌ لله استسلامًا كاملًا؟

ج: عبودية الاستسلام تعني أن: يُسْلم العبد نفسه لله، فيخضع لله، وينقاد له بالطاعة، ويُذعن لخالقه ومولاه.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22].

تُسلم وجهك لله، أي: تنقاد له، فهو الذي رزقك، وتفضَّل عليك، فقد رزقك الله وأنت في بطن أُمك بما يقويك ويُنمي أنسجتك بلا نقص ولا زيادة، وأنت بلا حول ولا قوة.

وهو سبحانه يرزق النبات، مع أنَّ النبات في مكانه لا يغادره، ومع ذلك يأتيه رزقه بمقدارٍ.

وهو عز وجل يرزق الدواب والطير، ويُدبر أمر كل هذا العالم بكل ما فيه منذ خلقه، ويُدبر أمرك، ويُدبر كل شيء، وله مُلك كلِّ شيء.

فالعالم كلُّه مستسلمٌ لله مِلك لله، وكل شيء في العالم يسير وَفْق النواميس التي أودعها الله فيه.

اقرأ هذه الآية: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83].

فالكون كله مُسلِمٌ لله خاضعٌ له سبحانه.

والإنسان خُلِق ووُجد في هذا العالم؛ ليُكلف ويُختبر ويُمتحن، هل يخضع لله كما خضعَ له وأسلَمَ كلُّ شيء، أم سيعاند ويستكبر؟

فمعنى الاستسلام لله: الخضوع التام له وحده، بهذا يكون الإنسان مسلمًا لله ككلِّ ما حوله من الكائنات.

لكن الذي يميز الإنسان عما حوله، أنَّ كل ما حوله مسلمٌ بلا إرادةٍ منه، فالحجر والشجر والدواب الكلُّ مسلمٌ لله بغير إرادة، أما أنت فمسلمٌ لله بإرادتك.

فكل شيءٍ خاضعٌ مستسلمٌ لله، منقادٌ لذي الجبروت والإنعام سبحانه، فكن أنت أيضًا مستسلمًا منقادًا لله.

لا تجعل الأحجار والجبال والدواب أفضَلَ منك عند الله.

لو أنت استسلمت لله كنت أفضل ما في خلقه؛ لأنك أسلمت لله بإرادتك.

ولو لم تستسلم لله لصارت الأحجار والصخور والحشرات والحيوانات أفضَلَ منك عند الله، فهي كلها مسلمة خاضعة له.

فلا تكن أنت الكائن الوحيد الجاحد المتمرد في كونٍ كله خاضعٌ لله.

وعلامات الاستسلام لله تعالى أربع وهي:

أولًا: العبودية لله في كل صغيرة وكبيرة في حياتك، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163].

صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: كل شيء أفعله لله، فأنا أصلي لله، وأطيع والديَّ لله، وأذاكر وأتعلم حتى أنفع الناس لله، وأنام حتى أكون أقوى في الغد على فِعل ما أمرني الله به.

فهي عبودية لله في كل عمل، وهذه أُولى مظاهر وعلامات التسليم لله.

العلامة الثانية حتى تكون مستسلمًا لله تمام الاستسلام: هي اتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، قال ربنا سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20].
وقال عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208].

فِي السِّلْمِ، أي: في الإسلام.

ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أي: التزموا بكل ما أمر به الله، وانتهوا عما نهى عنه.

أمرني الله بشيء أفعله.... نهاني عن شيء أنتهي عنه، فهذا هو تمام الاستسلام والانقياد لله.

العلامة الثالثة على التسليم لله هي أن: نُسلِّم بتحكيم ما شرع الله، فنرضى بشرعه ونقبل به.

نقبل بكل تشريع إلهي، ولا ننكر مثلًا العقوبات التي شرعها الله، بل لا بد أن نرضى بشرع الله؛ لأنَّ الله يعلم ما يُصلِح خلقه، ويعلم أنَّ في هذه العقوبات طهارة للمجتمع: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [المُلك: 14].
وقال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} [المائدة: 50].

فالله هو الذي يعلم ما يصلح الناس في دنياهم وفي آخرتهم.

وتطبيق شرع الله يُطهر الناس، ويجعلهم يعيشون في أمان.

ذهب رجل يزعم أنه مؤمنٌ بالله وبما أُنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن الأشرف اليهودي؛ ليحكم له في قضية من القضايا، بدلًا من أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ خوفًا من أن يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمٍ لا يعجبه، فذهب لليهودي أملًا في حكم يعجبه، فنزل قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60].

فإذا كنت مسلمًا منقادًا لله فعليك أن تلتزم بشرع الله، وأن تُسلِّم بحُكم الله ولو أتى حكمُ الله على غير هواك، لا أن تترك شرع الله وتذهب ليهودي؛ ليحكم لك في قضيتك من أجل أن يرضيك.

وقال الله عز وجل في الآيات التالية:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].

فالله لم يرسل الرسل حتى نتركهم ونحتكم إلى شرع غيرهم.

ثم يختم الله عز وجل الدرس من هذه الحادثة وأشباهها بآيةٍ مهمة تُبيّن ضرورة الخضوع للاحتكام لشرع الله، قال ربنا عز وجل : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

لا بد من التسليم التام لما شرع الله، فالتسليم لشرع الله من علامات الانقياد للإسلام!

أما العلامة الرابعة على التسليم لله تعالى، فهي: التسليم لأقدار الله، فكل شيء قدَّره الله سبحانه بحكمته، وبالتالي فالمسلم يستسلم لله في كل أقداره... في الخير والشر.

إن أصابت المسلم سرَّاءُ شَكَرَ، وإن أصابته ضرَّاءُ صَبَرَ.

لو رزقك الله طعامًا أو رزقًا حسنًا أو بيتًا جميلًا أو نجاحًا في الدراسة أو صحةً في البدن أو أهلًا طيبين تشكر الله.

ولو أصابت المسلم ضرَّاءُ من مرض أو فقر أو خوف أو بلاء أو هَمٍّ، صَبَرَ على هذه الضراء واستعان بالله، فهذا حال المسلم المنقاد المستسلم لربه سبحانه.

فكل شيءٍ بتقدير الله عز وجل : الصحة والمرض والغنى والفقر... كل شيء بتقديره وحكمته، وعلى المسلم الرضا بالأقدار؛ لأن الله هو الذي يُقدِّرها.

قال ربنا سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
وقال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51].

لن يصيبنا إلا ما قدَّر الله لنا.

وقال عزَّ من قائلٍ: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145].

الآجال قدَّرها الله.

وكل شيء يحصل في الكون، وكل ذرة تسير في العالم، وكل حادث يحدُثُ، إنما يَحدُثُ بعلم الله، ومشيئة الله، وبتقدير الله، وبحكمة الله، وبقدرة الله.

قال ربنا سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].

فهو سبحانه خلق كلَّ شيءٍ، وقدَّر كل شيءٍ، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

فأنا كمسلم مُطالبٌ بالتسليم بكل أقدار الله عز وجل .

وبهذا يصبح الإنسان مسلمًا لله.

***

← السابق 121 - ما هي ثمراتُ عبادةِ الله سبحانه وتعالى ؟