الرئيسية صحة الإسلام رسـولُ الْأُميـِّينَ
السؤال 22

لكن هل تحدَّثت التوراةُ عن نسل إسماعيل الذين سكنوا مكة؟

طبقًا للتوراة، فإن إسماعيل عليه السلام كان له أبناء كُثر، ومنهم شخص يُدعى قيدار.

وقيدار هو الابن الثاني لإسماعيل.

تقول التوراة: وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ.

وقيدار هذا عاش في مكة، وتربَّى فيها!

وقبيلة قيدار كانت تُعَدُّ من أكثر القبائل العربية تنظيمًا؛ فهي قبيلة عربية كبيرة من نسل إسماعيل عليه السلام .

وكما يَعرِف النسَّابة، فإن قيدار هو جدُّ عدنان؛ وعدنان بلا خلاف هو جدُّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يزل أبناء قيدار بمكة يتناسلون فهم أجداد قريش.

إذَنْ قيدار بن إسماعيل، ومن نسل قيدار جاء عدنان، وعدنان هو جدُّ النبي صلى الله عليه وسلم .

23- لكن هل تحدَّثت التوراةُ عن نسل قيدار، وعن مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ديار قيدار؟

العجيب أن التوراة بالفعل تحدَّثت عن نسل قيدار، وبشرَّت بشخصٍ عظيمٍ سيخرج من ديار قيدار، وهذا الشخص سيحارب الوثنيين، وسيرفع كلمة التوحيد في ديار قيدار، ولن يموتَ هذا الشخص حتى تتمَّ شريعته ويُسمع تمجيد الله... يُسمع الأذان في جبال قيدار: أي في جبال مكة، وجبال سالع بيثرب.

سنبدأ في قراءة ما قالته التوراةُ، وهذا النصُّ من أخطر وأعجب نصوص البشارات في التوراة بالنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وهذا النص ورد تحديدًا في سفر إشَعْيَاء النبي الإصحاح الثاني والأربعين.

يقول النصُّ:

هُوَ ذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ: هو ذا عبدي الذي أؤيده... سيأتي عبد الله الذي سيؤيده الله!

مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي: المُصطفى المختار، مَن سيكون هذا الشخص؟

وهذه الكلمة "مختاري" تنفي تمامًا أن يكون الشخص المُبشَّر به في هذا الإصحاح هو المسيح عليه السلام ، كما يدَّعي النصارى، فالمسيح طبقًا لمعتقدهم مولود منذ أبد الدهور فهو الابن منذ الأزل؛ فكيف يكون مختارًا؟

وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلْأُمَمِ: يخرج الحقَّ للأمم، أي: ستكون شريعته للناس كافَّة.

ومن المعلوم أن الأنبياء كانوا يُبعثون إلى أقوامهم خاصةً، والمسيح عليه السلام أيضًا أُرسل إلى بني إسرائيل؛ ولذلك لما جاءته المرأة الكنعانية، وهي ليست من بني إسرائيل، قال لها المسيح: لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ.

لكن قد يزعُمُ النصارى أن دعوة المسيح صارت بعد ذلك عالميَّة – بعد الصَّلْب المزعوم- لكن النصَّ هنا يتحدَّث عن المصطفى المُختار الذي ستكون رسالته من البداية لجميع الأمم.

والوحيد الذي أتى ليُخرِج الحقَّ لجميع الأمم من أول دعوته هو محمدٌ صلى الله عليه وسلم : "وكانَ النبيُّ يُبعَث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى الناس كافَّة".

فهو مبعوث للعالمين: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158].

نُكمِل نصَّ إشَعْيَاء:

لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ: وهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم : "كان كثير الصمت كما ورد في حديث جابر"[1].

فكان صلى الله عليه وسلم هادئًا لا يصيح، وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ، بينما المسيح عليه السلام نُقل عنه في الإنجيل أنه لمَّا حُكم عليه بالصلب، صرخ صراخًا شَدِيدًا.

إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ، وَدُمُوعِ طَلَبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ للهِ الْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ.

وانتبهوا لكلمة: "وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" اللهُ عز وجل سَمِع للمسيح، وأجاب دعاءه بعد أن حُكم عليه بالصَّلْب، فهل صُلب بعد أن أجاب الله دعاءه؟

على كلٍّ هذا ليس موضُوعَنا!

إذَنْ النصُّ لا يصيح، وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ: هذا النصُّ لا ينطبق أبدًا على المسيح عليه السلام ، ومن المعلوم أيضًا أن المسيح كان كثيرًا ما ينهر الفريسيين ويصيح في المفسدين.

وذات يومٍ صنَعَ سوطًا وطرَدَ الجميع من الهيكل، وقال: لا تجعلوا بيتَ أبي بيتَ تجارةٍ.

نعود لسفر إشَعْيَاء:

قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لَا يُطْفِئُ: أي مُتبع للشريعة في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ، فهو لا يفعل شيئًا ولو بسيطًا من تلقاء نفسه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [سورة النجم: 3-4].
لَا يَكِلُّ وَلَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ: يعني حتى يُتمَّ الشريعة، فهو لا يكلُّ ولا ينكسر، بل سيبقى حيًّا حتى يتمَّ الشريعة؛ والنبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم لم يمُتْ حتى أتمَّ الشريعة ونزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: 3].
ولاحظ كلمة "لا ينكسر"، أي: أنه معصوم من القتل حتى يُتمَّ الشريعة: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [سورة المائدة: 67].

وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ: أهل الجُزُر والجزيرة العربية الكل ينتظر شريعته!

هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: يعطي الناس روحًا وهو الوحي: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [سورة الشورى: 52].
أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [سورة المائدة: 67].
وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلْأُمَمِ: شريعته نور للأمم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [سورة النساء: 174].
وَنُورًا لِلْأُمَمِ، أي: لجميع الناس: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سورة سبأ: 28].

هل هذه البشارة تنطبق على شخصٍ غيره صلى الله عليه وسلم ؟

لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ: يفتحِ اللهُ به عيونًا عُميًا وآذانًا صُمًا... يُنجي اللهُ به الناسَ من النار: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [سورة آل عمران: 103].

بالمناسبة هناك نقطة طريفة في هذا الإصحاح من سفر إشَعْيَاء، وهي أنَّ أهل الكتاب منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم ينتبهون إلى أنَّ هذا الإصحاح يُشير بصورة واضحة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك نقل عبدُ الله بنُ عمروِ بنِ العاص رضي الله عنه : "واللَّهِ إنَّه لَمَوْصُوفٌ في التَّوْرَاةِ ببَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ ليسَ بفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولَا سَخَّابٍ في الأسْوَاقِ، ولَا يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بأَنْ يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويَفْتَحُ بهَا أعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا".

هذه الصفاتُ في هذا الحديث بنفس هذه الألفاظ موجودةٌ في هذا الإصحاح:

نعود لنص إشَعْيَاء:

أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لَا أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلَا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ: مَن هو النبي الذي أتى لعُباد المنحوتات... عُباد الأوثان؟

هل المسيحُ عليه السلام أتى لعُباد الأوثان أم لليهود؟

الذي أتى لعُباد المنحوتات هو النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم .

فهو الذي دعا عُباد الأوثان للتوحيد: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [سورة الحج:30].

هُوَ ذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا: يعني ها أنا أُخبركم بالذي سيحصُل.

غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً: أغنية جديدة... تجويدًا جديدًا... تجويد القرآن!

هذه الصوت الجديد على أهل الأرض... صوت تجويد القرآن، وما فيه من غُنَّة وتجويد وتغنٍّ، وكما ورد في الحديث: ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن.

تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ: هذا التسبيح الجديد سيظهر في كل مكان!

أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا.

لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا: صوت الأذان الذي سيُرفع في كل مكان على يد هذا النبي القادم!

لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا. الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ: وهنا لنا أن نتوقَّف وقفة انبهار!

الديار التي سكنها قيدار: قيدار تحدَّثْنا عنه قبل قليل، وقلنا إنَّه ابن إسماعيل وجدُّ عدنان، فنَسْل قيدار بمكة!

والديار التي سكنها قيدارُ هي ديار قريش؛ وديار قريش لم ترتفع فيها إلا تسبيحات الإسلام، ولم يُرفع فيها صوت إلا صوت الأذان التي ظهر بظهور نبي الإسلام.

فقوم قريشٍ ما أتاهم نبيٌّ قبل محمد صلى الله عليه وسلم : {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [سورة يس: 6].
وقال ربُّنا سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} [سورة سبأ: 44].

فمكة لم يدخلها نبيٌّ منذ سكنها قيدارُ، ولم يَعلُ فيها صوت التسابيح الجديدة، وصوت الأذان الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، إلا بمبعث نبي الإسلام... النبي الذي هدم المنحوتات، ورفع صوت التسابيح والأذان!

فهل تنطبق هذه النبوءة على غيره صلى الله عليه وسلم بأقل قدْر من التعقُّل؟

نُكمِل النصَّ في إشعياء:

لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ: أين يقع سالع؟

جبل سالع جبلٌ معروفٌ بالمدينة المنورة، وهو معروف بها حتى اليوم، يبعُدُ عند المسجد النبوي بحوالي خمسُمِائة متر.

لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ: لو وقَفت على جبل سالع اليوم ستستمع بنفسك لأذان المسجد النبوي... سترى بعينيك هذه النبوءة وقد تحققت، فقد سُمع صوت التسابيح... صوت الأذان على جبل سالع!

إنَّ الأذان الذي تسمعه عند جبل سالع اليوم هو تحقيق لنبوءةٍ أخبر الله بها بني إسرائيل قبل حوالي ثلاثة آلاف عامٍ على يد النبي إشعياء!

وهذا الجبل جبلُ سالع بالمناسبة هو الذي جرتْ عنده أحداث غزوة الخندق، حين اجتمعت الجيوش لغزو المدينة المنورة، فأرسل الله ريحًا عظيمةً أهلكت جيوشهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [سورة الأحزاب: 9].

وعلى سفح جبل سالع حتى الساعة توجد المساجد السبعة التي بناها الصحابةُ أثناء حفر الخندق؛ لتكون مواقع مراقبة أثناء الغزوة!

نُكمِل النصَّ في إشعياء:

مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا: الهُتاف من رؤوس الجبال، تشتهر به أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم مثل: جبال الصفا والمروة، وجبل عرفات، وجبل الرحمة.

وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ: يُبلغون رسالة ربهم إلى بلاد الأرض.

أي دليلٍ أكثر تحديدًا وتفصيلًا من هذا النص على أن النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبٌ عندهم في التوراة؟

المراجع

  1. 1 صحيح الجامع ح: 4822.
التالي → 24 - لكنْ ما سرُّ انتقال النبوة عن بني إسرائيل للأمة الإسلامية؟ ← السابق 21 - هل هناك نصوص أخرى بالبشارات في التوراة؟