هذه البشارة التي بشَّر بها دانيال، والتي هي نفسُها أخبر بها المسيح تلاميذه بعد قرون من وفاة دنيال مُذكِّرًا إياهم بها، تُعَدُّ من أهم بشارات العهد القديم عن قدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعن قدوم الأمة الإسلامية، حتى قال قسيس إرميا السابق عبد الأحد داود عن هذه البشارة: "لعلها أروعُ وأوضحُ نبوءةٍ عن البَعثة النبوية لأعظم البشر وخاتم الرُّسُل"[1].
لقد رأى دانيال في منامه ممالك الأرض العظيمة... رآها بالتفصيل، ثم ظهر الحجر الذي سيَهدم الله به هذه الممالك الكافرة، ورأى دانيالُ الأمةَ العظيمةَ الموحدة التي ستأتي في منتصف القرن السابع الميلادي ( حوالي 640 م.) وتُفتح هذه الممالك... ومنتصف القرن السابع الميلادي هو تحديدًا زمن الخلافة الراشدة، تخيَّلْ يتحدث دانيال عن هذه البشارة قبل حصولها بأكثر من ألف عام!
والآن لنبدأ في شرح بشارة دانيال:
كانت القدسُ مدينةً عظيمةً حكمها أنبياءُ الله الكرام كداود وسليمان، وساد فيها التوحيد النقيُّ؛ لكن بعد زمن طويل بدأت تنتشر الوثنيات في بني إسرائيل وبدأ يظهر فيهم الفساد فأخبر اللهُ أنبياءه أنه سيُبدل نعمته على بني إسرائيل وسوف تسبيهم الأمم؛ وبالفعل في القرن الخامس قبل الميلاد حصل ما يُعرف بـ: "السبي البابلي" حيث تمَّ سبي بني إسرائيل إلى بابل على يد نَبُوخَذْنَصَّرَ.

وفي مدينة بابل... مدينة السبي كان هناك نبيٌّ عظيمٌ من أعظم أنبياء أهل الكتاب، يُدعى النبيُّ دانيال عليه السلام ، وهذا النبي وردت بعض الأحاديث بشأنه في سندها نظرٌ؛ منها ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من دلَّ على دانيالٍ فبشِّروه بالجنةِ".

والحديث في سنده نظرٌ، لكن الذي حدث بالفعل أنَّه عندما فتح الصحابةُ مدينة تُستَر وجدوا في بيت مال الهُرمُزان رجلًا عظيمًا على سريرٍ لم يتغيَّرْ منه شيء مع أنَّه قد مات منذ أكثر من ألف عام، فسألوا عنه وعلموا أنَّه النبيُّ دانيال، وكان أهل تُستَر إذا حُبس عنهم المطر برَزوا بسريرِ هذا النبي العظيم فيُمطَرون!
أرسل الصحابةُ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشأن هذا النبي ماذا يفعلون معه؟
فحفروا ثلاثةَ عشرَ قبرًا مُتفرِّقَةً، فلما كان بالليلِ دفنوه في أحدها حتى لا يَهتدي له الناس، ويُفتنون به، ويتعلَّقون به من دون الله عز وجل .
وكان الصحابة قد وجدوا عند رأس هذا النبي كتابًا فيه نبوءاتٌ بشأن ما سيأتي من الأيام، أخذ الصحابة الكتاب وأرسلوه لعُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه .

كتاب النبوءات هذا الذي وجدوه عند رأسه هو سِفرٌ كاملٌ من أسفار التوراة ما زال موجودًا بين أيدي اليهود والنصارى حتى الساعة ضمن الكتاب المُقدَّس وهو المعروف بـ"سفر دانيال"!
ومن عجيب أمر الدنيا أنَّ هذا السفر يتنبَّأ بزمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ... يتنبَّأ بفتح الله على يد الأمة الإسلامية لممالك الأرض، وربما دعا دنيال ربَّه أن تتولى هذه الأمة دفنه في ذاك الزمن!
والآن سنبدأ في سرد بشارة هذا السفر العجيبة:
يبتدئُ سفرُ دانيال برؤيا غريبة رآها الملك نَبُوخَذْنَصَّرَ ملك بابل، وكانت مملكة بابل في ذاك الوقت بمثابة أمريكا العالم القديم، وقد رأى هذا الملك تلك الرؤيا، وقد سيطرت على عقله وأفقدتْهُ النوم؛ إذ لم يعرف لهذه الرؤيا تفسيرًا ولم يفهم معناها، فأرسل إلى الحكماء من الأمم المختلفة، وأرسل إلى شيوخ اليهود، وأرسل إلى العرَّافين والسحرة؛ ليفسروا له هذه الرؤيا، لكنَّ الملك نَبُوخَذْنَصَّرَ اشترط على المفسر أن يخبره بالرؤيا أولًا، ثم يفسرها له حتى يتأكَّد أنَّ المفسر صادق في تفسيره.
فالمطلوب أنْ يعرف المفسِر ماذا رأى الملك في منامه، ثم يبدأ في تفسير الرؤيا له!
وبهذا الشرط العجيب لم يتقدَّمْ أحد من كل الحضور لتفسير الرؤيا، ولم يجرؤ أحد على الكلام!
وهنا طلب النبيَّ دانيالَ باعتباره أحد الأشخاص الذين أحضرهم نَبُوخَذْنَصَّرَ ليفسروا له الرؤيا، طلب بعض الوقت، فبدأ يصلي ويدعو الله عز وجل ، ثم عاد للملك وقال: أنا أخبرك بالرؤيا التي أنت رأيتَها:

أَجَابَ دَانِيالُ قُدَّامَ الْمَلِكِ وَقَالَ: السِّرُّ الَّذِي طَلَبَهُ الْمَلِكُ لَا تَقْدِرُ الْحُكَمَاءُ، وَلَا السَّحَرَةُ، وَلَا الْمَجُوسُ، وَلَا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ: لا أحد يعرف رؤياك؛ لأنَّ هذا غيب، لا نعرف ماذا رأيتَ في منامك، لكن اللهَ أوحى لي بما رأيتَ أيها الملك!
فالله كَاشِفُ الأَسْرَارِ، وَقَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ: هذه الرؤيا التي أنت رأيتها هي نبوءة بقادم الأيام.
فقال دانيال للملك:
أنت حُلْمُكَ هكذا: ها هي الرؤيا التي أنت رأيتها...
أَنت رأيت في منامِك تِمْثَالًا عَظِيمًا. رأْسُ هذَا التِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ، صَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ. بَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، سَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ. قَدَمَاهُ بَعْضُهُمَا مِنْ حَدِيدٍ، وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ.
يُكمِل دانيالُ ويقول:

كُنْتَ تَنْظُرُ أيها الملك وفجأةً قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ: انتبهوا "قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ" هذا هو الحجر الذي تحدَّث عنه المسيح عليه السلام في البشارة السابقة، والتي فيها أخبرهم أنَّ اليهود يعرفون هذه البشارة جيدًا.
قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ: أي من قِبَل الله ظهر، وليس من عند البشر.

فَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ اللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا: هذا الحجر سيُحطم هذا التمثال العظيم.
فَانْسَحَقَ حِينَئِذٍ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعًا، أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا، وَمَلأَ الأَرْضَ كُلَّهَا: الحجر الذي دمَّر هذا التمثال ملأ الأرض... ملأت الأمةُ الإسلاميةُ الأرضَ، وانتشرت رسالة الإسلام في أصقاع المعمورة وما زالت تنتشر.
هذَا هُوَ الْحُلْمُ. فَنُخْبِرُ بِتَعْبِيرِهِ قُدَّامَ الْمَلِكِ: هنا انتهى حُلم الملك، وسيبدأ دانيال في تفسير هذا الحُلم.
سيبدأ دانيال في تأويل هذه الرؤيا، وهذه الرؤيا هي نبوءة بأربعِ ممالك ستظهر، ثم يأتي الحجر الذي سيسحق هذه الممالك الأربع!
يقول دانيال: أنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ هذَا الرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ: إذَنْ أول مملكة في هذه النبوءة هي مملكة الملك نبوخذ نصر ملك بابل، وهي رأس الذهب في الرؤيا التي رآها الملك.
وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ: بعد مملكة بابل ستظهر مملكة أصغر منها، ثم تظهر بعدهما:
مَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ.
ثم تظهر مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صُلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لكنها تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، بعضها كالْحَدِيدِ قويَّة، وبعضها كالخزف ضعيفٌ.
فماذا سيحصل بعد هذه الممالك الأربع؟
يخبر دانيال الملك قائلًا:

بعد هذه الأيام... بعد ظهور هذه الممالك الأربع:
يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا: أُمة من قِبل الله!
وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ: لا يتسلَّط عليها عدوٌّ مِن سوى أنفسِهم فيَستبيحَ بَيْضَتَهم!
وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ: أُمَّة ستظهر وتقهر كل هذه الإمبراطوريات الأربع... ستحطم هذا التمثالَ العظيم.
وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ: سيبقى شرعُها إلى قيام الساعة!
لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لَا بِيَدَيْنِ: يعني حجرًا من قِبل الله، وليس بصُنع بشر، فمَن يَقوى على هذه الأمة؟
فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ: سحق هذه الإمبراطوريات الأربع.
بعد أن سمِع نَبُوخَذْنَصَّرَ هذا الكلام خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيالَ، وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلَايَةِ بَابِلَ، وَجَعَلَهُ رَئِيسًا عَلَى جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ: لقد تيقَّن نَبُوخَذْنَصَّرَ أنَّ هذا هو تفسير الرؤيا، فدانيال أخبره بما رأى بالضبط، فلم يتمالك نَبُوخَذْنَصَّرَ نفسه فخرَّ على وجهه ساجدًّا له، وكان هذا جائزًا قبل الإسلام.
والعجيب أنَّ هذه الرؤيا حصلت بحرفها!!!
لقد ظهرت أربعُ إمبراطوريات عملاقة حكمت الأرض، وبعدها ظهر الإسلام، وانتصر الإسلام على هذه الإمبراطوريات الأربع وأعادت التوحيد!