نعم!
فتعدُّد الآلهة لا يظهر إلا في مرحلة تالية بعد التوحيد النقي، وهذا الأمر صرَّح به علماء الأنثروبولوجيا Anthropology الباحثون في تاريخ الأديان، مثل منْيير وليامز M. Monier Williamsحين قال: "التوحيد مُتقدم على كل صور الشرك التي ظهرت لاحقًا"[1].
وطبقًا لجماعة آخرين من الباحثين في دورية الإنسان البدائيPrimitive Man فإنَّ: "تاريخ الدين هو عبارة عن تحلُّل أو انحراف من صورة مبكرة خالصة ونقيَّة من التوحيد"[2].
فهذه حقيقة أركيولوجية أنثروبولوجية... التوحيد سابق على التعدُّد؛ أو بصورةٍ أخرى: الدين النقي كان أولًا.
وقد أجرى عالم الأنثروبولوجيا ويلْهلْم شمت Wilhelm Schimdt أبحاثًا مكثفةً على الأقزام والقبائل البدائية وتبيَّن له أنَّ الجميع يعتقد بإلهٍ واحدٍ خالقٍ مهيمِنٍ.
وقد نشر شمت نتائج أبحاثه في كتابه: مكانة الأقزام في تاريخ تطوُّر الإنسان Position of Pygmy People in the History of Human Development.
وهي نفس النتيجة التي توصَّل إليها عالم الأنثروبولوجيا الاسكتلندي آندرو لانج Andrew Lang فقد توصَّل إلى أن الدين الأول هو دين التوحيد السماوي، واستند في ذلك إلى دراسات عن قبائل وسط إفريقيا مثل الزولو والبوشمان وبعض قبائل الأمريكتين وأستراليا[3].
ومن العجيب أنَّ الفيلسوف الألماني الكبير فرِيدريك شِلنْج F. W. Schelling قد أوضح في كتابه: "فلسفة الميثولوجيا Philosophy of Mythology " أنَّ: التوحيد هو عقيدة البشرية الأولى قاطبةً، والتعدد يأتي في مرحلة تالية نتيجةً لفساد الأتباع[4].
وقد وافق إدوين جيمس E. O. James أستاذ الأنثروبولوجيا والديانات المقارنة البريطاني هذا الطرح من لانج وشمت وشلنج، وقرَّر أن الإيمان بالإله الواحد الأحد هو الأصل عند الإنسان البدائي، وهذه هي العقيدة التي ما زالت عليها القبائل البدائية التي تعيش على جمع الثمار حتى يومنا هذا مثل قبائل Aboriginal في أستراليا والأقزام في إفريقيا[5].
فعقيدة الإيمان بالله الواحد فاطر السماوات والأرض تراها عبر كل العصور.
وهنا سيظل السؤال: مِن أين جاء هذا الإيمان، ما مصدره؟
وكيف قامت له الدَّعَوات عبر كل التاريخ، وكل الجغرافيا؟
فمن منظور إلحادي مادي مُنْكِر لوحي الأنبياء، يبقى هذا السؤال معضلةً حقيقيةً!