نعم!
فالهندوسية والتي هي من أكثر الديانات شِركًا اليوم تنتهي في الأخير إلى إيمان توحيدي قديم، وهذا ما ذكره التقرير المرفوع إلى الحكومة البريطانية في الهند، وفيه أنَّ: "النتيجة العامَّة التي انتهت إليها اللجنة من البحث هي أنَّ كثرة الهنود الغالبة تعتقد عقيدة راسخة في كائن واحد أعلى"[1].
وفي الهندوسية اليوم هناك ما يُعرَف بالسادهو الهندوسي Sadhu ذاك الرجل الذي يلبس ملابس زعفرانية، ويترك أهله ليعيش متوحدًا؛ هذا السادهو لن يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد التخلِّي عن كل الشركيات والآلهة الأرضية، والإيمان بخالق واحد أول!

والمسيحية أيضًا في أصلها ديانة توحيدية، ولم تظهر مصطلحات الأقانيم والتثليث إلا بعد رفع المسيح عليه السلام بزمن.
وبدخول عقيدة التثليث إلى المسيحية ظهرت إحدى المِحَن الكبرى في هذه الديانة، فالكتاب المُقدَّس هو كتاب توحيدي صارخ.
والإيمان بالله الواحد هو أعظم وصايا الكتاب المقدس على الإطلاق!
فكما ورد على لسان موسى عليه السلام في سفر التثنية: "الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ".

بل ورد على لسان المسيح عليه السلام في إنجيل مرقس الذي بين أيدي المسيحيين حتى اليوم نفس قول موسى عليه السلام ، حيث قال المسيح: إن أولَّ كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ.

فهذه أعظم وأهم وصايا الكتاب المُقدَّس على الإطلاق.
وهنا ظهرت إشكالية ومِحنة التعارض بين التوحيد في الكتاب المقدس، وبين هذا الإيمان بالتثليث الذي ظهر بعد رفع المسيح بزمن.
وطبقًا لدائرة المعارف البريطانية فـ: "المسيحيُّون الأوائل كانوا ضد التثليث؛ لأن التثليث لا عَلاقة له بالتوحيد الإلهي الذي تُعلمه الكتب المقدسة"[2].
وأمام هذه الإشكالية الكبرى قالوا: التثليث هو توحيدٌ، والأقانيم الثلاثة هي الله الواحد؛ فخالفوا بذلك العقل وكلَّ منطقٍ بشري.
فكل أقنوم طبقًا للإيمان المسيحي هو إله كامل، فكيف تكون الأقانيم الثلاثة إلهًا واحدًا؟
والشاهد من هذا أنَّ أصل المسيحية هو توحيدي تمامًا.
ولو ذهبنا للزرادشتية نجد نفس الأمر فالزرادشتية في أصلها ديانة توحيدية، لكنَّها أصبحت اليوم مثنوية. مثنوية أي: تؤمن بإلهينِ اثنينِ؛ فالإله الواحد الخالق جعلوا معه إلهًا صغيرًا نسبوا له خلْق الشر، وهذا التصوُّر الشركي المثنوي ظهر في مرحلةٍ متأخرةٍ[3].

فكل الديانات في أصلها كانت على التوحيد النقي.
فالكل يؤمن بأنَّ التوحيد هو الأصل في كل الديانات.
فكلُّ البشر عبْر كل التاريخ، في كل الديانات كانوا على لا إله إلا الله!
بل دعونا ننظر لهذا التصريح شديد اللهجة من المسيح عليه السلام بنفي الألوهية عن نفسه، وأنَّ الله واحدٌ وليس آخر سواه.
وهذا التصريح يوجد في الإنجيل الذي بين أيدي المسيحيين حتى الساعة.
يقول المسيح عليه السلام : "إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌّ"[4].

والآن ركِّزوا في قول المسيح: "الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ"!
إذَنْ الله هو آخر غير المسيح!
وبالتالي المسيح ليس هو الله!
ويأتي النصُّ المدهش في إنجيل مرقس إصحاح 12: "اللَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ"[5].
الله واحد وليس آخر سواه!
إذَنْ عندما قال المسيح عن الله: "الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ" فهو بهذا ينفي عن نفسه أيَّة صورة من صور الألوهية.
فبالجمع بين النصَّينِ في إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس تكون النتيجة أنَّ: المسيح ليس هو الله!
فهذا هو دين التوحيد الذي جاء به كلُّ الأنبياء!
فالدين يظهر توحيديًّا، ثم يتخذ الناسُ الأصنامَ والمعبودات الأرضية وسائط لله عز وجل !