الرئيسية الكون والحياة
السؤال 14

ما هي دلائل وجود الخالق؟

دلائل وجود الخالق سبحانه كثيرة لا تُحصى، ومَن ذا الذي يُحصي خلقَه ونعمَه وجودَه، وما لا حصر له من براهينِ وجودِه وكمالِه؟

ويقدم لنا القرآن الكريم ثلاث مراتب من الأدلة الكبرى على وجود الخالق سبحانه، ومراتب أخرى استئناسية كثيرة.

وهنا قد يسأل سائل ويقول: كيف نحتجُّ بالقرآن على ملحد لا يؤمن به؟

والجواب: نحن نُقدم الأدلة العقليَّة التي يطرحها القرآن الكريم في إثبات وجود الخالق، وهذه الأدلة تستوي حُجتها في نظر المؤمن بالقرآن وغير المؤمن به؛ لأنها أدلة عقلية!

أما الأدلة الثلاثة الكبرى التي يُقدمها القرآن الكريم فهي:

الدليل الأول وهو: دليل الإيجاد:

كل شيء مُحدَث، أي: وُجد بعد أن لم يكن موجودًا، لا بد له مِن مُحدِث أي: موجِد.

والكون كلُّه بكل ما فيه من مادَّة وقوانين وأفلاك، مُحدَث بلا خلاف بين علماء الأرض.

الكون وُجِد بعد أن لم يكن موجودًا.

والشيء المُحدَث الذي وُجد فيه بُرهان آكد على المُوجِد! هذه بديهة يستوي في التسليم لها كل البشر.

يقول ستيفن هوكينج في كتابه الشهير تاريخ موجز للزمن: "وجود بداية للكون هذا الأمر له لوازم دينية"[1].

ويقول الفيزيائي فرانك تبلر Frank Tipler: "لقد بدأت حياتي المهنية كملحد، لم أتصوَّر حتى في أحلامي أن حدوث قوانين الفيزياء ستدفعني إلى الإيمان بالخالق"[2].

فكل شيء وُجد فيه برهان على الموجِد.

وبالتالي فكل ذرَّة وكل جُسَيم في الكون، وكل نشاط لذرَّة هي براهين بعضها فوق بعض على وجود الخالق.

فهذا الوجود وهذه الذرَّات وهذه الجُسيمات؛ هذا الكون بكل ما فيه من مادة هو كون عَرَضي مُحدَث ليس أزليًّا.

الكون بكل قوانينه ونواميسه غير مُكتفٍ بذاته، وإذا استقرت هذه البديهيات العِلميَّة في ذهنك فسينصرف عقلُك إلى الموجِد، وسيتبرهن لك بأن لهذا الكون خالقًا لا مَحالة.

فهذا يُسمى بـ: "برهان الإيجاد" وما أكثر آيات القرآن الكريم التي تلفت أنظارنا إلى هذا البرهان، وتدفعُنا دفعًا للتفكر فيه والتأمل.

اقرأ قولَه تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
واقرأ قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185].

فكل شيء خُلِق، كل شيء أُحدِث، كل شيء وُجِدَ؛ فيه دليل عقليٌّ وبرهنة مباشرة على الموجِد!

الدليل الثاني وهو: دليل الإتقان:

كل شيء في الوجود على الإطلاق من الكواركات -أصغر جُسَيم تمَّ رصده- إلى أكبر الأجرام، كل شيء في الكون يحمل درجة من درجات التعقيد الوظيفي.

التعقيد الوظيفي أي: يُؤدي وظيفة متخصصة ومُهمة مُحدَّدة، يحمل درجة من الإتقان.

وهذا الإتقان، هذا التعقيد الوظيفي، هو مرتبة زائدة على مجرد الوجود.

فالوجود مرتبة.

والتعقيد الوظيفي -الإتقان- مرتبة زائدة على مجرد الوجود.

ولو نظرت مِن حولك فكل شيءٍ حولك مُصمَّم بشكلٍ معين ليؤدي وظيفة محددة.

ولو نظرت في أعمق أعماق الذرَّة ستجد أن الكوارك -أصغر جُسيم على الإطلاق تمَّ رصده- مُصمَّمٌ بشكل معين لأداء مهمة مُحدَّدة.

فالذرَّة والفوتون والقوانين الفيزيائية والطاقة، كل شيء له وظيفة ويؤدي مُهمة، حتى العناصر المشعَّة لها دورها الحيوي في تمايُز طبقات الأرض!

كذلك الروابط بين الذرات: الروابط الكيميائية الأيُّونيَّة والتساهمية التي تجري بين الذرَّات لتكوين الجزيئات، وكيف أنَّ الذرة تقبل هذا التعاقد، وترفض تعاقدًا آخر؟ فتقبل ذرةُ الصوديوم التعاقدَ مع ذرة الكلور لتكوين ملح الطعام، بينما ترفض الذرَّات المكوِّنة للسيراميك التعاقد مع الذرات في خلايا جلدك!

هذه الصور المدهشة من التعاقد ورفض التعاقد تؤدي إلى كل الأشكال والتنويعات المبهرة المحيطة بنا.

كل ما حولك يحمل تعقيدًا وظيفيًّا، كل ما حولك يحمل تسخيرًا لعملٍ مُحدَّدٍ!

هذا التعقيد والتسخير والإتقان هو بُرهان خَلْق وإبداع.

لذلك الملحد الشهير أستاذ ميكانيك الكم بجامعة أوكسفورد ديفيد دوتش يستهزئ من الحال التي وصل إليها الملاحدة فيقول: "إذا زعم أيُّ إنسان أنه لم يتفاجأ من الإتقان والدقة في هذا الكون وقوانين هذا الكون، فهو ببساطة يدسُّ رأسه في الرمل؛ المفاجآت كثيرة وغير مُتوقعة".

فالإتقان في الكون يفاجئ العلماء.

وما أكثَرَ الآيات التي تحدثت عن دليل الإتقان في القرآن الكريم:

قال الله عز وجل : {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].
وقال سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7].
وقال عزَّ مِن قائل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1-3].

كثيرة هي الآيات التي تُؤكد هذا البرهان العقلي السامق: برهان الإتقان!

لكن للأسف هذا الإتقان لا يبهر كثيرًا من الملاحدة مِمَّن يُجهزون للسفسطة حتى قبل أن يتأملوا البرهان الذي يحمله هذا الإتقان!

ولذلك فقد أحسن ديفيد دوتش حين وصفهم بأنهم: "يدسُّون رؤوسهم في الرمال"!

وأنا أدعوك لتتأمل الإتقان في زهرة الأوركيد Orchid التي تتخذ صورة تُطابق تمامًا صورة أُنثى النحل، فيأتي ذَكَر النحل محاولًا تلقيحها فتلتصق حبَّات غُبار الطلع في رأسه، ويقوم بالعملية نفسها في أوركيد أخرى، فيقوم بالتلقيح المثالي لزهرة الأوركيد دون أن يدري.

والأعجب من ذلك أن زهرة الأوركيد Orchid تُفرز نفس الرائحة الخاصة بأُنثى النحل فيرمون Pheromone أُنثى النحل، وليس شكلها فقط.

تأمل في هذه الزهرة العجيبة زهرة الأوركيد، ولا تنسَ أنها كائن لا يعي من أمره شيئًا، ولا يُدبِّر من أمره شيئًا.

ومع هذه الخاصية المعجزة للتلقيح عند الأوركيد، فهي تعيش في توازُن بيئي مثالي مع غيرها من الكائنات، فلا تطغى عليها بحيث تنتشر في الأرض على حساب غيرها من النباتات؛ فسبحان فاطر الخَلق، ومُودِع عجيب الصنع في كل شيء.

وحتى تشارلز داروين نفسه اعترف قبل عام من وفاته أن ما تقوم به زهرة الأوركيد يعصف بعقله؛ نعم!

يعصف بلاأدريته، ويعصف بكفره![3]

لكنَّ بعض الملحدين المعاصرين للأسف لا يُعصفون، ولا يتأثرون بهذه الأمور ولا بهذه البراهين، فهم يعيشون حالة من السفسطة الجاهزة!

فما أعجَبَ براهين الإتقان لو تدبَّروها!

ومَن نظر في براهين الإتقان بتجرُّدٍ للحق، سيُسلم بالخالق البارئ المُصور الهادي العليم الحكيم القدير!

وإذا أردت أن ترصُد بنفسك أحد أوجُه براهين الإتقان الإلهي، فاذهبْ لأحد معامل التحاليل الطبية، وانظر إلى معايير ضبط الهُرمونات في أجسادنا!

هرون النمو Growth hormone على سبيل المثال، انظر في تركيزه في الدم:
"5 نانو جرام".

وبمُعادلة رياضيَّة بسيطة، تجد أنَّ جرامًا واحدًا من هذا الهرمون مُقسَّم على ثلاثة آلاف إنسان، انظر لمقدار الدقة المبهرة.

ولو ازدادت نسبة هذا الهرمون بمقدار يُقاس بأجزاء من المائة مليون من الجرام؛ فإن هذا قد يؤدي إلى مرض العملقة، ولو قلَّت بأجزاء من المائة مليون من الجرام قد تؤدي إلى مرض التقزُّم.

تغيُّرات كاملة في بنية الهيكل العظمي: عَمْلقة أو تقزُّم، نتيجة زيادة أو نقص بهذا القدر البسيط والمدهش من هرمون النمو.

أما لو نظرت في هرمون الأدرينالين، ذاك الهرمون العجيب الذي تشعر بتأثيره لحظة الخوف، ولحظة الخطر، فيُسرع دقات ضربات القلب، ويضخُّ الدم إلى العضلات، ويزيد من قُوَّة انتباهك، هذا الهرمون لو نظرت فيه لوجدت أنه مُقدَّر بضبط مبهر في دمك.

وبمُعادلة رياضيَّة بسيطة، فإنَّ حجم ملعقة واحدة منه تقريبًا تُوزع على عشرات الآلاف من البشر!

تخيَّل دِقة أن ملعقة واحدة تُوزع على عشرات الآلاف من البشر!

دقة وإتقان من أعجب ما ترى.

قال ربنا سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

الدليل الثالث وهو: دليل الرعاية "الرعاية للإنسان":

لو نظرت إلى الحدود الحرجة التي تُشكل وظائفك البيولوجية، ودِقة هُرموناتِك، والفندق الذي تعيش فيه، فندق النعم والخيرات: أرض تُنبت طعامك، وسماء تُمطر رزقك {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} [عبس: 24-26]، فندق متكامل من حولك، والفطرة التي بداخلك والتي تضبط قِيمك، وتُعطيك وخزًا مستمرًّا لضميرك بحيث لو أخطأتَ أو ظلمتَ تشعر بضرورة إصلاح نفسك، والنُّبوَّات التي أتتك: أولئك الأنبياء الذين جاؤوا ليضبطوا لك معرفتك وعملك، وما لا يمكن حصره من النعم؛ عند النظر في كل هذا تستوعب معنى دليل الرعاية.

فليس هناك إتقان فحسب، بل هناك رعاية وتسخير من أجلك أيها الإنسان؛ ما حولك مُسخَّرٌ لك.

فبنية كل ما يحيطُ بك يدلُّ على أنك مُدلل، كما يقول عالم الفلك الأمريكي جون أوكِيف[4].

فنحن محاطون بالرعاية الإلهية!

وما الجوائز والكشوف الكبرى إلا كشوف لأوجه الرعاية في الكون، ثم ينال العلماء جوائز على هذه الكشوف.

فما أكثرها من نِعَم: نِعَم الهداية بالفطرة والنبوات، ونعم الرزق الدنيوي.

{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 78-79].

وكلما نظرتَ في الكون من حولك، رصدتَ مزيد أوجه تسخير من أجلك!

وفي كتابه "قدَر الطبيعة" يسرد عالم الوراثة اللاأدري مايكل دنتون، يسرد آلاف البراهين العِلميَّة على هذا التسخير، وعلى هذه المعايير التي انضبط بها ما حولك لك.

الكتاب مُبهر في هذا الباب وقد قام مركز براهين مشكورًا بترجمته ونشره.

قال ربُّنا سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان: 20].
نِعَم لا تُحصى يعرفها كل إنسانٍ من نفسه، لكنْ للأسف: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 8]!

المراجع

  1. 1 ستيفن هوكينج، تاريخ موجز للزمان، ص92.
  2. 2 Frank Tipler, the Physics of immortality, p.ix.نقلًا عن براهين وجود الله، د. سامي عامري، ص463 (بتصرف).
  3. 3 "Well, that often comes over me with overwhelming force; but at other times," and he shook his head vaguely, adding, "it seems to go away." (Argyll 1885, 244).
  4. 4 Fred Heeren, Show me God, p.226. نقلًا عن براهين وجود الله، د. سامي عامري، ص 465.
التالي → 15 - لكن لماذا لا تكون هناك حضارة عظيمة أو أي شيء ماديٌّ هو المسؤ ← السابق 13 - هناك جُسيمات تخرج باستمرار من الفراغ الكوانتي أو الفراغ الكم