الرئيسية الكون والحياة
السؤال 21

كيف بدأت المعلومة؟ كيف بدأت الشفرة الجينية؟ كيف دُونت المعلومات المكتوبة على الشريط الجيني داخل كل خلية من خلايا كل كائن حي على وجه الأرض؟

في البداية الشريط الجيني هو شريط مُدوَّنة عليه بحروف رباعية التشفير خصائصُ الكائن الحي، وما يحتاج إليه وطريقة تشكيل الأعضاء، وطريقة عمل الهُرمونات والإنزيمات، والشكل العام للكائن الحي، وكل ما يحتاج إليه وظيفيًّا.

فالآن السؤال: كيف ظهرت المعلومات في هذا الشريط الجيني؟

كيف شُفرت المعلومات بنظام تشفير رُباعي؟

لا يوجد كائن حي في تاريخ الأرض بدون تشفير رُباعي مُسبَق لكل خصائصه.

فكيف ظهر هذا النظام المعلوماتي المدهش؟

هذه تساؤلات عقلية ومنطقية!!

يقول عالم الرياضيات الأمريكي نوربرت فينر Norbert Wiener: "المعلومة هي معلومة؛ المعلومة ليست مادةً ولا طاقة"، فالسؤال العقلي الذي يطرح نفسه هنا: كيف ظهرت فجأةً المعلومة؟

الشريط الجيني المُسخَّر لحمل المعلومات والموجود داخل نَواة كل خلية من خلاياك يحمل بداخله أربعة مليارات معلومة كما قلنا قبل ذلك!

أربعة مليارات حرف مُدونة، ومُشفَّر بها وظائفك وهُرموناتك وإنزيماتك وأعضاؤك.

ظهور المعلومات بهذا الشكل من أكثر الأمور التي أربكت العلم الحديث.

لقد اكتشف العلم أن العالم كلَّه معلومات!

يقول عالم الفيزياء اللاأدري الشهير بول دافيس Paul Davies: "العلماء يعترفون خلف الأبواب المغلقة أنهم في حيرة، حيرة من نظام الحياة المعلوماتي المبهر، هم يشعرون بالقلق من هذا الموضوع؛ لأن هذا الموضوع سيفتح الباب للمتدينين، فنظام الحياة المعلوماتي يعني الخلق"[1].

هذا كلام اللاأدري بول دافيس، والمشكلة الثانية في هذا الموضوع -والكلام موصول لبول دافيس- أن العلماء لو اعترفوا بالجهل -الجهل بتفسير مصدر النظام المعلوماتي وَفقًا للرؤية المادية- فإنَّ هذا سيرفع عنهم الدعم المالي"[2].

فالنظام المعلوماتي المبهر، وكيف ظهر فجأةً بهذه الصورة هو ورطة لكل مادي!

وبينما كان لزلي أورجل Leslie Orgel وهو أحد أبرز علماء نشأة الحياة، بينما كان يتحدث يومًا عن هذه الورطة في إحدى محاضراته عقَّب قائلًا: "أرجو ألَّا يكون هناك مؤمن بالخَلْق الإلهي المباشر بين الجمهور"[3].

فمَن لا يشعر من دُعاة المادية بورطة كيف ظهرت المعلومة فهو إنسان مُغيَّب؛ مُغيَّب بإرادته حتى يَنسى اللوازم الدينية لظهور المعلومات فجأة.

الغريب أن بعض الملحدين خاصَّة من غير البيولوجيين ما زالوا يتعاملون مع هذه الورطات المتتابعة بعقلية القرن التاسع عشر، فما أن تُطلع الملحد العربي على إبهار النظام المعلوماتي الذي يوجد داخل كل كائن حي، والذي ظهر فجأة مع ظهور الحياة حتى يُوقفَك سريعًا قائلًا لك: لكن هناك خلايا بدائية وخلايا مُعقَّدة!

وهذه الخرافة تقسيم الخلايا إلى: خلايا بدائية وخلايا مُعقَّدة، هي خرافة قديمة.

فكل الخلايا مُعقَّدة ومبهرة، ولا توجد خلية بلا نظام معلوماتي[4].

بل كلما نظرنا في التعقيد الموجود داخل خلية كائن وحيد الخلية نكتشف إبهارًا ودقَّةً لا تقلُّ بأي حال عن الدقة الموجودة في خلايا أي كائن حي متعدد الخلايا.

فالأجهزة والماكينات المبهرة توجد داخل الخلية في أي كائن، سواءً كان وحيد الخلية أو متعدد الخلايا.

وهذه العضية التي توجد في الصورة أمامك مثلًا:

هي عضية تُسمَّى الكاينيسن Kinesin.

وهي واحدة من آلاف الماكينات المبهرة داخل الخلية الحية، هذا الكاينيسن له رِجْلان ويدان حقيقيتانِ، ويسير على طرق مُخصَّصة له لينقل المكونات لخارج الخلية، و يحمل أضعاف وزنِه وفي حال أنه تعثَّر في الطريق أو وجد طريقًا غير ممهدةً، فإنه يطلب كاينيسين آخر ليساعده.

هذه ماكينة واحدة من آلاف الماكينات التي توجد داخل الخلية، وخمسون خلية لا تملأ النقطة التي نكتبها في آخر السطر".

ثم ماذا عن ماكينة السوط البكتيري Flagellum؟

ماكينة السوط البكتيري هي إحدى ماكينات الخلية البكتيرية وحيدة الخلية -الخلية البكتيرية التي يظن الملاحدة أنها خلية بدائية- تتكوَّن ماكينة السوط البكتيري من مِائتي بروتين، إذا جاء أحد هذه البروتينات مكان الآخر أو اختفى أحدُها، فلن تظهر ماكينة السوط البكتيري بالكلية!

حجم الموتور المُحرك لهذا السوط هو واحد من مائة ألف من البوصة.

ويتحرك السوط البكتيري بمعدل عشرة آلاف حركة في الدقيقة، وهو قادر على عكس اتجاه حركته في جزء من أربعين ألف جزءٍ من الثانية.

وقد قام الرياضيون بحساب احتمال نشأة هذا السوط بالصدفة، فوجدوا أن الاحتمالية تصل إلى 10 أس ألف ومائة وسبعين 10 1170.

مع أن عدد ذرَّات الكون كله لا تتجاوز 10 أس ثمانين ذرَّة 10 80.

أمام هذه المعجزة حاول دُعاة المادية افتراض أن هناك أشكالًا أبسط من السوط البكتيري، فقالوا: إنَّ هناك ماكينة قريبة من السوط البكتيري تُسمَّى Type III secretion system وعندما تطوَّر الـ Type III secretion system ظهر السوط البكتيري، وكأني بهم وهم يحاولون تفسير نظام مبهر بنظام مبهر آخر.

العجيب في الأمر أنه تبيَّن مؤخرًا أنَّ هذا الـType III secretion systems متأخر في الظهور عن السوط البكتيري، فقد ظهر السوط البكتيري أولًا ثم ظهر بعده الـ TYPE 3 secretory system[5].

فالبكتيريا أقدم الكائنات الحية بينما Type III secretion system موجود في الكائنات متعددة الخلايا فكيف يُنسب وجود الأقدم إلى الأحدث؟

السوط البكتيري معجزة لا يمكنها تَجاوزُها بالترقيع الإلحادي لكل ماكينة مبهرة في النظم الخلوية الحية.

وحتى نأتي على هذه الفرضية من جذورها -فرضية أنَّ: هناك خلايا بدائية وخلايا معقدة-؛ دعونا نُوضح مسألة عِلميَّة في علم الأحياء تُسمَّى بـ: الحد الأدنى من الجينات The Minimal Gene Set.

ما معنى الحد الأدنى من الجينات؟

الحد الأدنى من الجينات هو: القدر الأدنى من الجينات الذي لا يحيا كائن حي بدونِه!

لن يكون هناك كائن حي لو قلَّ عدد الجينات عن الحد الأدنى بمقدار جينٍ واحد.

والجين هو جزء من الشريط الجيني الذي تحدثنا عنه سابقًا.

فالجين هو شريط معلوماتي يحتوي على عدد كبير من الشفرات تُشفر المعلومات.

وهناك حدٌّ أدنى من الجينات لازم للحياة بحيث: تشفر مجموعة من هذه الجينات للطاقة -لأنه لا حياة للكائن الحي بدون طاقة-، ومجموعة أخرى تُشفر للغذاء، وجينات أخرى تشفر للتكاثر، وغيرها تشفر للوظائف الأساسية للحياة، وهكذا!

لكن يا تُرى ما هو عدد الجينات التي تمثل الحد الأدنى، والذي لا يكون هناك كائن حي بعدد أقل منها؟

قام العلماء بحساب الحد الأدنى من الجينات اللازم للحياة، وقرَّروا أنه بين ماِئتين وخمسة وستين إلى ثلاثمائة وخمسين جينًا.

وقد توصَّلت مؤسسة كريج فنتر Craig Venter إلى أنَّ الحد الأدنى من الجينات لا يكون أقلَّ من ثلاثمائة واثنين وثمانين جينًا[6].

وهناك أبحاث عِلميَّة كثيرة جرت في هذا الباب، وخلاصتها أنَّ: الحد الأدنى من الجينات سيتراوح بين مائتين وأربعة وأربعين إلى قرابة الألف وسِتمائة جينٍ.

لو كان الأمر مادةً فحسب، والعالم مُجرَّد نظام مادي، فنحن بحاجة إلى أنْ نبدأ من الصفر جين، إذا أردنا المرور من الهيدروجين إلى الإنسان!

لكن العلم يخبرنا أنَّه لا يوجد شيء يُسمَّى صفر جين، أو واحد جين، أو حتى مائة جين، العلم يقول: إنَّنا بحاجة إلى مجموعة عملاقة من المعلومات كحد أدنى، وإلا لما ظهر الكائن الحي من البداية.

فليس هناك في الطبيعة شيء بدائيٌّ، بل كل منظومة بدأت بإبهار مستقل!

وسيبقى الإبهار في النظام المعلوماتي الذي يُشفر للكائنات قبل أن تظهر، سيبقى هذا الإبهار دومًا حَجَر عثرة في وجه الإلحاد، حَجَر عثرة في وجه مُنكري الخلق الإلهي!

المراجع

  1. 1 Paul Davies, the Fifth Miracle, P.17-18.براهين وجود الله، د. سامي عامري، ص580.
  2. 2 المصدر السابق نفس الصفحة.
  3. 3 Leslie Orgel, the RNA World and the Origin of Life, lecture, ISSOL 2002.براهين وجود الله، د. سامي عامري، ص584.
  4. 4 Jacques Monod, Chance and Necessity, P.134
  5. 5 Sophie S. Abby and Eduardo P. C. Rocha, an Evolutionary Analysis of the Type III secretion system, 2012براهين وجود الله، د. سامي عامري، ص612.
  6. 6 J. Craig Venter Institute (JCVI) conducted a study to find all the essential genes of M. genitalium through global transposon mutagenesis. As a result they found that 382 out of 482 protein coding genes were essential.
التالي → 22 - كيف بدأت الحياة؟ كيف ظهرت الحياة؟ ← السابق 20 - يقول بعض الملاحدة: الأرض من الطبيعي أن يكون بها إتقانٌ، فهنا