الرئيسية الكون والحياة
السؤال 29

هل الانتخاب الطبيعي نظرية عِلميَّة، أم هو تخمين فلسفي؟

في سبعينيات القرن الماضي أعلن واحد من أشهر فلاسفة العلم في القرن العشرين على الإطلاق وهو اللاأدري كارل بوبر أنَّ:

"نظرية التطوُّر هي نظرية ميتافيزيقية، هي مجرد قفزة إيمانية وليست بعلم"[1].

وقتها ثارت ثائرة دُعاة النظرية، وحاولوا أن يُبرهنوا له أن النظرية يمكن أن تخضع للاختبار.

لكنه وقبل وفاته بعامين فقط اعترف للساينتيفك أمريكان أنه ما زال غير راضٍ عن النظرية، ما زال غير مُقتنعٍ بها.

وقد عرضت الساينتيفك أمريكان اعترافات بوبر وغيره من الباحثين تحت مقال بعنوان: داروين المشكوك فيه، لماذا مجموعة من العلماء اللادينيين يشكون في نظرية التطوُّر؟

وقد أكَّد بوبر موقفه من النظرية، ومن الانتخاب الطبيعي بالتفصيل في آخر كتاب كتبه قبل وفاته بعامٍ واحدٍ وهو كتاب Evolutionary Epistemology ، وقد أورد بوبر في هذه الكتاب اعترافات كبار علماء نظرية التطوُّر عبر تاريخها[2].

فنقل عن أحد عظام الداروينية -على حد تعبيره- وهو كارل وادنجتون C. H. Waddington قوله أنَّ: "الانتخاب الطبيعي ليس أكثر من طوطولوجياTautology ".

وطوطولوجيا تعني: تكرارية؛ أي مجرد حشو كلام، فالانتخاب الطبيعي الذي هو قوام نظرية التطوُّر غير منضبط بأدلة، وليس قضيةً عِلميَّة، وإنما هو تَكْرار كلام، كالذي يُفسر الماء بعد الجهد بالماء!

لكن لماذا الانتخاب الطبيعيُّ تكرار كلام؟

لأن أي كائن حي ستفترض أنه تم انتخابه طبيعيًّا، لمجرد أنه ظل حيًّا!

مجرد حشو كلام.

فما مبرر قولنا: إن ما جرى كان انتخابًا؟

لماذا لا يكون شيء آخر أبقى على هذا الكائن؟

أي كائن سيبقى سنقول: إنه تم انتخابه؟

إنها فروض تخمينية وليست رصدًا علميًّا!

يكمل بوبر ويقول: نفس كلام وادنجتون يوجد لدى داروينيين عِظام من أمثال: رونالد فيشَر Ronald Fisher مؤسس الداروينية الحديثة، حيث يقرر فيشر أيضًا أنَّ الانتخاب الطبيعي طوطولوجيا.

أيضًا جون هالدان J.B.S. Haldane عالم الوراثة وشريك فيشر في تأسيس الداروينية الحديثة يعترف أنَّ: الانتخاب الطبيعي طوطولوجيا.

ونفس الأمر يؤكد عليه جورج جايلورد سيمبسون George Gaylord Simpson عالم الحفريات الأمريكي، والذي عمل لأكثر من ثلاثين عامًا في إدارة متحف التاريخ الطبيعي في أمريكا.

كل هؤلاء يقررون أنَّ: الانتخاب الطبيعي طوطولوجيا، والكلام لكارل بوبر، فمفهوم الانتخاب الطبيعي ليس مفهومًا عِلميًّا.

والعجيب أنه بعد أعوام من كلام بوبر، وداخل معامل جامعة ميشغان تحولت النتيجة التي قرَّرها بوبر إلى واقع عملي، حيث تمت محاولة إجراء نظرية التطوُّر، فقام الباحثون بمحاكاة بحيث تمضي مليون سنة على بعض البكتيريا بالتحفيز المتتابع، فماذا كانت النتيجة؟

تريليونات البكتيريا ظهرت لكن بروتينًا واحدًا جديدًا لم يظهر فضلًا عن انتقال نوع لنوعٍ آخر!

هذه هي نتيجة الانتخاب الطبيعي.

الانتخاب الطبيعي لم يعمل!

التطوُّر لم يعمل![3]

الغريب أن داروين بنفسه كان يستشعر أن هناك مشكلة في نظريته!

ففي عام 1862م أرسل عالم النبات جوزيف هوكر Joseph Hooker رسالة إلى داروين قال فيها:

هل تظنُّ أن التنوُّع مثلًا في شكل مناقير الطيور أو الاختلاف بين أشكال الكائنات الحية ضمن النوع الواحد مصدره انتخاب طبيعي؟

لا إطلاقًا!

الأمر ببساطة أنَّ هناك تنوُّعًا وراثيًّا في الأجداد، هناك اختلافات داخل النوع الواحد، هذه الاختلافات تتيح هذه الأشكال المتعددة ضمن النوع الواحد.

سبحانَ الله! وكأن هوكر يتكلَّم عن الحَوض الجيني للنوع الذي تمَّ رصده بعد حوالي مائة عام من هذا الكلام.

الحَوض الجيني الذي: يُتيح أشكالًا مختلفة ضمن إطار النوع من أنواع الكائنات الحية.

المهم أن داروين ردَّ عليه قائلًا: "الجزء الذي أدهشني فعليًّا في خطابك، وقلب كِياني رأسًا على عَقِب هو الذي ذكرتَ فيه أن كل اختلاف نراه يمكن أن يكون قد حدث دون أي انتخاب، وإني كنت ومازلت أتفق معك تمامًا في ذلك، ولكنَّك أحطتَ بالموضوع إحاطة تامة، ورأيتَه من زاويةٍ جديدةٍ".

دُعاة نظرية التطوُّر الذين ما زالوا يجادلون لتأكيد قوة نظريتهم هم أشبه بمجموعة من المنقبين عن كَنز من الذهب يبحثون ليل نهار في طبقات الأرض المختلفة، ويحفِرون ويكسِرون أطنان الصخور الطينية والرملية والرسوبية، مع أنَّ هناك قبوًا مكتوبًا عليه: "الكنز يوجد هنا"!

الصنع الإلهي المُتقن أمام أعينِكم، لكنهم يتجاهلون هذا القبو؛ لأنهم ينطلقون من مقدمة أنَّ: منجم الذهب لا بد أن يكون تحت الأرض!

فدُعاة التطوُّر ينطلقون من مقدمة أنَّ: تفسير الحياة والتنوُّع في الكائنات الحية لا بد أن يكون تفسيرًا ماديًّا؛ لذلك هم ما زالوا يحفِرون، مع أن دلائل الخلق الإلهي المُتقن أمامهم في كل لحظة؛ ونظرية التطوُّر لا تعمل، الانتخاب الطبيعي لا يعمل؛ لكن يتجاهلون!! وما زالوا يحفرون!!!

محاولة إغماض العين عن القبو الذي أمامهم مع فشل نظرية التطوُّر في كل اختبار وتجربة ومعمل، هذا ضررٌ شديدٌ على العلم، وتأخير لفروع كبيرة من العلم، وتضييع لمنافع كان أوْلى أن نستخدمها في مناحٍ أخرى!

المراجع

  1. 1 I have come to the conclusion that Darwinism is not a testable scientific theory, but a metaphysical research programme.Karl Popper, "Darwinism as a Metaphysical Research Programme" Methodology and Science, p.103-119.
  2. 2 Evolutionary Epistemology, Rationality, and the Sociology of Knowledge, with Contributions by Sir Karl Popper .
  3. 3 https://www.youtube.com/watch?v=_rebE1J-Ozkمن 6:20إلى 7:35
التالي → 30 - لكن هل الطفرات والتطوُّر الصغير هل يُؤديانِ إلى تطور كبير؟ ← السابق 28 - هل هناك عالم من الـRNA قبل ظهور الـDNA، هل هذا الكلام صحيح؟