الرئيسية الكون والحياة
السؤال 33

يقول دُعاة نظرية التطوُّر إن الشمبانزي يحتوي على ثمانية وأربعين كروموسومًا، والإنسان يحتوي على ستةٍ وأربعين كروموسومًا، إذنْ لا بد أنَّ هناك التحامًا جرى بين كروموسومين في الإنسان، وهذا ما رصدوه بحسب تخمينهم في كروموسوم رقم اثنين في الإنسان، فهل هذا التخمين صحيح؟

هذه واحدة من أكبر الدلائل التي يُروج لها دُعاة النظرية بكثافة.

لكن لنهدأ قليلًا!

هل هذا عِلم أم فلسفة؟

العلم التجريبي عندما يستمع لدعوى مثل هذه أنَّ: الإنسان تطوَّرَ هو والشمبانزي من سلف مشترك، سيقول: هذه دعوى يلزمها رصد!

أنت أيها التطوُّري تضع تصورًا معينًا في ذهنك أن الإنسان والشمبانزي من سلف مشترك، ثم تقوم بتوجيه البحث نحو هذا التصوُّر!

هذه مصادرة على المطلوب؛ وهي إحدى المُغالطات المنطقية الشهيرة، فهذه الدعوى فلسفة وليست بعلم!

لأننا بنفس هذا الأسلوب نستطيع أن نزعم أنَّ الإنسان والبطاطا من سلف مشترك واحد؛ لأن نبات البطاطا يحتوي على ثمانية وأربعين كروسومًا بالضبط مثل الشمبانزي، فلماذا الشمبانزي وليس البطاطا، إذا كانت المسألة عدد كروموسومات!؟

ثم إنَّ هناك نوعًا من أسماك الزينة يدعى سمك جوبي Guppy يحتوي على نفس عدد الكروموسومات في الإنسان، ستة وأربعين كروموسومًا كالإنسان بالضبط، فلماذا الشمبانزي وليس جوبي؟

الموضوع مصادرة على المطلوب، وتوجيه المعطيات نحو تصوُّر معين في ذهن داعية نظرية التطوُّر!

وحتى نتأكد أننا أمام فلسفة وليس علمًا، ركزوا معي في هذا الافتراض:

سنفترض أنَّ الإنسان الأول كان يمتلك ثمانية وأربعين كروموسومًا هو وأبناؤه، وفجأةً أتى أحد الأحفاد وحدث لهذا الحفيد اندماج بين كروموسومين، ثم جاءت الذرية البشرية المعاصرة من هذا الحفيد صاحب الستة وأربعين كروموسومًا، هل ثمَّة خطأ في هذا السيناريو؟

هل تستطيع عِلميًّا أن تثبت صحة سيناريو دُعاة التطوُّر أو خطأ هذا السيناريو؟

بل إن هذا السيناريو أقرب فلسفيًّا؛ لأنه يُقلل عدد الفروض، وبالتالي فهو أصح عِلميًّا طبقًا لما يُعرف بنصل أوكام Occam's razor.

فالموضوع فروض عقليَّة وتخمينات.

والآن ننتقل للشق الثاني من جواب هذه الدعوى:

هل بالفعل حدث اندماج في الكروموسوم الثاني للإنسان؟

هذا الكلام كان يُطرح قبل مشروع الجينوم البشري The Human Genome Project أي قبل عام ألفين وثلاثة.

لكن بعد العام ألفين وثلاثة استطعنا جيدًا قراءة شِفرة الجينوم البشري، وعَرفنا بالضبط تتابعات الحروف في الكروموسوم الثاني في الإنسان.

ومما نعرفه الآن، ومما يعرفه كل باحث في الشفرات الجينية أنه في نهاية كل كروموسوم يوجد تتابع معين من الحروف بهذه الصورة: تاء تاء ألف جيم جيم جيم تاء تاء ألف جيم جيم جيم أو TTAGGG TTAGGG TTAGGG آلاف المرات بهذا التتابع، وهذا التتابع له خاصية عجيبة وهي الحفاظ على الكروموسوم من التلف!

لو حصل التحام بين كروموسومين، فالمفترض أنَّ منطقة الالتحام تكون ممتلئة بضعف هذا التتابع تاء تاء ألف جيم جيم جيم؛ لأنها منطقة نهاية كروموسومين أليس كذلك؟

أجريت دراسات على هذه المِنطقة التي زُعم أنه حصل فيها التحام، وتبيَّن أنها مِنطقة مزدحمة بالجينات الوظيفية، أي: جينات تشفر لبروتينات متخصصة، وليست مجرد منطقة تلاحُم، جرت هذه الدراسة في بحث يدعم النظرية!

فالدراسات التي تدافع عن هذه الفرضية، فرضية: التحام الكروموسومين هي بنفسها تعترف أنَّ: منطقة الالتحام المزعومة لا يوجد بها التتابع الكافي من: تاء تاء ألف جيم جيم جيم[1].

نقطة أخيرة في نقض هذه الدعوى: يوجد وسط كل كروموسوم مِنطقة تُسمَّى "السنترومير"، وبالتالي فالمفترض أنَّ الكروموسوم الثاني في الإنسان به اثنان من السنتروميرات.

وكالعادة حاولوا أن يشيروا إلى تتابُع معين باعتباره بقايا سنترومير قديم، لكننا اكتشفنا أنَّ هذا المكان المزعوم ليس به الـAlphoid DNA المميز للسنترومير.

بل إنَّه في دراسة أخرى تبيَّن أنَّ تتابع حروف السنترومير في الشمبانزي والغوريلا لا يوجد هذا التتابع في أي مِنطقة في الكروموسوم الثاني في الإنسان، وهذا ينسف هذه الدعوى من جذورها!

ينسف دعوى التحام الكروموسومين!

وحتى يخرجوا من هذه الورطة افترضوا أنَّ: هناك تطورًا سريعًا جدًّا حصل أدَّى لاختفاء أي أثر للسنترومير القديم!

السنترومير القديم اختفى فجأةً دون أي أثر!

دائمًا حينما يُفتقد البُرهان يظهر السحر!

المراجع

  1. 1 Daniel Fairbanks, Relics of Eden: The Powerful Evidence of Evolution in Human DNA (Amherst, NY: Prometheus, 2007.
التالي → 34 - يقول دُعاة النظرية: إننا اكتشفنا أنَّ: فرع العصب الحائر Recu ← السابق 32 - لكن بنظرية الاحتمالات المُجرَّدة، كم يا تُرى نحتاج من الوقت