ج: المخُّ هو مجموعة من الأسلاك العصبية متجمعة، وكل ما يجري في المخ هو تبادل لأيونات الصوديوم والبوتاسيوم على جدران الخلايا العصبية؛ لنقل النبضات لا أكثر.
فالمخ مهما تعقَّد سيبقى مجرد أسلاك عصبية، ونواقل كيميائية، وتبادُل أيونات، هذا كل ما يجري في المخ.
فالمخ هو: مجرد جهاز عصبي تنفيذي يقوم من خلال أنشطة كهربية بتنفيذ مهام عصبية معقدة.
إذن فالمخ جهاز تنفيذي، وليس جهازًا تشريعيًّا.
فالمخ لا يشرع القيمة، ولا المعنى، ولا يفرز الوعي.
وهذا الأمر جرى إثباته علميًّا بتجارب كثيرة منذ بدايات القرن الماضي، مثال على ذلك تجارب عالم الأعصاب الشهير: وِيلدر بنفيلد Wilder Penfield حين كان يضغط بإلكترود في يده على جزء محدَّد من مخ المريض الذي أمامه أثناء قيامه بجراحات المخ، فمثلًا يضغط بنفيلد على جزء تحريك اليد في مخ المريض فتتحرَّك يد المريض، حيث تخرج إشارة من المخ لتحريك يد المريض فتتحرَّك، فالمخ جهاز تنفيذي.
وهنا يطلب الدكتور بنفيلد من المريض أن يُوقِف يده عن الحركة أثناء الضغط بالإلكترود، وإذا بالمفاجأة الكبرى تحصل!
لا يستطيع المريض أنْ يوقف يده عن الحركة.
فطالما صدرت الإشارة من المخ بعد الضغط عليه بالإلكترود تتحرَّك يد المريض، ومهما حاول المريض أن يوقف حركة يده فلا يستطيع.
وهنا تظهر المفارقة المدهشة:
اتخذ المخ القرار، واتخذ المريض قرارًا آخر.
وهذا يعني أن الوعي والإرادة شيء، والمخ المادي شيءٌ آخر تمامًا.
فالقرار الذي يريده المريض شيء، والنشاط المخي شيء مختلف.
فالمخ مجرد جهاز تنفيذي، وليس مصدرًا للوعي أو الإرادة أو اتخاذ القرار.
وقد كَتَب بنفيلد كتابه "سرُّ العقل Mystery of the Mind" فأودع فيه نتائج تجاربه المدهشة تلك.

وعندما سُئل الملحد ليونارد ملودينوف Leonard mlodinow الفيزيائي الذي اشترك مع ستيفن هاوكنج في كتابة كتاب "التصميم العظيم the Grand Design": هل يوجد تفسير مادي فيزيائي للوعي؟
أجاب: لا يوجد تفسير مادي فيزيائي للوعي[1].
فالوعي ليس نتاج ذراتٍ، ولا نتاج دماغ، ولا نتاج نشاط كهربي، ولا نتاج المخ.
وهنا قد يظهر سؤال: لماذا لو أُصيب الإنسان بصدمة في رأسه، أو تم تخديره، أو قام بتعاطي بعض العقاقير، فإنه يفقد الوعي أو يتغير وعيه؟
والجواب: المخ أشبه ما يكون بجهاز التلفاز، فهو مجرد مستقبِل للمعلومة، ومُعالِج لها، وحين يتمُّ قطع الأسلاك عن جهاز التلفاز، أو عن المخ، كما يحدث في الصدمات أو العمليات الجراحية أو التخدير أو تناول العقاقير المهلوسة، فإن الإرسال يتوقَّف، لكن التلفاز لا يخزن المعلومة ابتداءً، وإنما هو مجرد ناقل لها، كذلك مخك[2].
فالمخ جهاز تنفيذي يستقبل المعلومات، والعقل يستخدم المخ كآلة.
وهذا الكلام أكَّد عليه د. روجر سبري Roger Sperry الحائز على نوبل في وظائف المخ؛ إذ أكَّد على أنَّه لا عَلاقة بين الوعي والمخ.

ويحاول الملاحدة كثيرًا ربط الوعي بالمخ، وهم بهذا يهدفون إلى نفي حرية الإرادة عن الإنسان، وافتراض أنَّ الإنسان ليست له إرادة حرة، هذه فكرة سامة، كما شرحت في بابٍ سابقٍ، فهي فكرة تبرر لكل جريمة، ولأية جريمة، ونفي الإرادة الحرة لا يتفق وكرامة الإنسان، والإنسان بفطرته يعلم يقينًا أنه مكلَّف، وأنَّ لديه إرادة حرة، وبناءً على الإرادة الحرة هناك دستور وقانون وقضاء ومحاكم ومحاماة وأحكام وتشريع وعقوبة ومكافأة، فكل هذه الأمور مبنيَّة على أن للإنسان إرادة حرة.
ومبنيَّة على أنَّ الإنسان مُكلَّف ومسؤول عن قراراته.
لذلك فالإلحاد بتبنِّيه لنفي الإرادة الحرة لا يمكنه أن يحلل ظاهرة الإنسان.