ج: السُّنة سُنة قولية، وسُنة فعلية، وسُنة تقريرية.
السُّنة القولية هي: الأحاديث التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف الأغراض والمناسبات، مثل قوله: صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات"[1].
والسُّنة الفعلية هي: الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل: أداء الصلاة، وأداء شعائر الحج، وقضائه، وغير ذلك.
والسُّنة التقريرية هي: أن يُقِرَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا حصل أمامه، أو في عصره وعَلِم به.
واتباع السُّنة هو عقيدة أهل السنة؛ ولذلك نحن نُسمى: "أهل السنة والجماعة".
لأننا أَتباع السُّنة.
في المقابل نُفاة السنة هم ليسوا بالبداهة من أهل السنة؛ لأنهم غير مؤمنين بالسنة ابتداءً، فكيف يكونون من أهل السنة.
وهم أيضًا خالفوا جماعة المسلمين بإنكارهم السُّنة.
فهم ليسوا من أهل السنة ولا الجماعة.
والسُّنة هي جوهر الإسلام كالقرآن.
ولا يُطبَّق القرآن إلا بالسُّنة.
فالسُّنة مبيِّنة للقرآن:
فتأتي السُّنة لتُبين لنا كيف نُقيم الصلاة، وما هي صفة الصلاة، وما عددُ الركعات، وكيفية السجود، وأذكار الصلاة، وعدد الصلوات.
ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم صلُّوا كما في القرآن، وإنما قال: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي"[2].
إذن فالسُّنة تبين كيف نُقيم الصلاة، وبالتالي فهي وحيٌ إلهيٌّ؛ لأنه لا يمكن إقامة الصلاة إلا بتطبيق الكيفية التي صلى بها النبي صلى الله عليه وسلم .
والسُّنة أيضًا مُخصِّصة للقرآن:
لكن تأتي السُّنة لتبيح من الميتة: السمك.
فأكل السمك الميت حلالٌ بالسُّنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أُحلَّت لَكُم ميتتانِ ودَمانِ، فأمَّا الميتَتانِ: فالحوتُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمانِ: فالكبِدُ والطحالُ"[3].
وقال صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤهُ، الحلُّ مَيتتُه"[4].
فالسُّنة تُخصص العام.
العامُّ هو: تحريم الميتة.
لكن مِن هذا العام تمَّ تخصيص: السمك.
وهذا التخصيص بالسُّنة.
وهنا لنا أن نسأل نفاة السنة: هل تُحرِّمونَ أكْلَ السمك؟
أيضًا السُّنة تُقيِّد المُطلَقَ:
لكن كيف يكون القطع، وما هو نِصاب السرقة الذي تُقطع به اليد؟
كل هذا تُحدده السُّنة.
فالسنة تُقيد المطلق في القرآن.
أيضًا السُّنة لها تشريعٌ مستقلٌّ:
مثال على ذلك: تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.
فتحريم الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها إنما ورد في السُّنة ولم يرد في القرآن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لَا يُجْمَعُ بيْنَ المَرْأَةِ وعَمَّتِها، ولا بيْنَ المَرْأَةِ وخالَتِها"[5].
لكل ما سبق، فالحاجة للسُّنة كالحاجة للقرآن، والاستغناء عن السُّنة كالاستغناء عن القرآن.
لذلك كان من بديهيات الإسلام: الأمر باتباع السُّنة؛ لأنها الإسلام!
وقد وردت في هذا آيات كثيرة منها:
آيَاتِ اللَّـهِ: هي القرآن.
وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنة باتفاق المفسرين.
وَالْحِكْمَةُ: هي السُّنة النبوية.
قال ابن القيم رحمه الله : "الإيمان بالسُّنة هذا أصل مُتَّفَق عليه بين أهل الإسلام، لا ينكره إلا مَن ليس منهم"[6].
فهذا شيء بديهيٌّ.
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ: ضرورة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
فهل طاعته تكون بإنكار كل أمر ونهي صادر عنه؟
هل هذه طاعة له؟
فقد أمر الله عز وجل باتباع كل ما يصدُرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم دون تفريق بين سُنة قولية، وسُنة فعلية، وكل هذه التقسيمات.
فكل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مُلزِمٌ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وهذا الالتزام بالسُّنة هو ما فهمته الأمة عبر تاريخها.
في البخاري عَنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعود، قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّه.
فَبَلَغَ ذلكَ امْرَأَةً مِن بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقالَتْ: إنَّه بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَقالَ: وَمَا لِي لَا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، ومَن هو في كِتَابِ اللَّهِ؟
فكل أمر في السُّنة هو أمرٌ في القرآن.
ما أرسل الله الرسل إلا لتُطاع.
}لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ(: وبعد أن يُحكموك (يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لحُكمك.
وهذه القضية التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هي قضية الزبير رضي الله عنه ، والنبي صلى الله عليه وسلم حكم فيها بحُكمٍ ليس في القرآن، ومع ذلك أخبر القرآن أنَّ: الإنسان لا يُعَدُّ مؤمنًا لو لم يخضع لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضاؤه وحيٌ من الله واجبُ الاتباع.
التسليم التام لأمره صلى الله عليه وسلم .
إذا كنت ترجو الله واليوم الآخر؛ فاقتدِ برسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولا يكون الاقتداءُ إلا باتباع سُنته.
[آل عمران:31].
تريد أن يحبك الله؟ إذن اتَّبِعْ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الردُّ إلى الله: بالنظر في كتابه.
والردُّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم : بالنظر في سُنته[8].
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَلَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثْلَهُ معه"[9].
فهو صلى الله عليه وسلم أُوتي الكتاب ومثله معه وهي السُّنة.
فيكون في وجوب العمل بالسنة: ولزوم قبولها كوجوب العمل بالكتاب: ولزوم قبوله كما قال القرطبي[10].
وقال صلى الله عليه وسلم : "تركتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم "[11].
وقال صلى الله عليه وسلم : "عليكم بسُنَّتِي"[12].
وقال صلى الله عليه وسلم لمُعاذٍ رضي الله عنه : كيفَ تقضي؟ قالَ: بكتابِ اللهِ. قالَ: فإنْ لمْ تجدْ في كتابِ اللهِ. قالَ: فبسُنةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم [13].
وقال صلى الله عليه وسلم : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي"[14].
وقال: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فإنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتي هذِه"[15].
فإذا أردت الحج، فلن تعرف كيف تحجُّ إلا منه صلى الله عليه وسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : "فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني"[16].
وهناك نصوصٌ كثيرةٌ في ضرورة اتباع سنته صلى الله عليه وسلم .
وانظر لهذا الحديث المعجز في صحيح سنن أبي داود قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَلَا إنِّي أوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ معهُ، لا يُوشِكُ رجُلٌ شبعانٌ على أريكتِهِ يقولُ: عليكُم بِهذَا القُرآنِ، فما وجدتُم فيهِ مِن حَلالٍ فأحلُّوه، وما وَجدتُم فيهِ مِن حرامٍ فحرِّمُوه"[17].
رجُلٌ شبعانٌ على أريكتِهِ: كناية عن التَّرَف، وكأنه صلى الله عليه وسلم يُخبر أن بعض المترفين سيظهرون في آخر الزمان لينكروا السُّنة.
على أريكتِهِ: كناية عن أنَّه لم يغادر منزله لطلب العلم الشرعي، فهو ملازم لأريكته.
وهذا حال منكري السُّنة، سبحان الله.
يقولُ: عليكُم بِهذَا القُرآنِ، فما وجدتُم فيهِ مِن حَلالٍ فأحلُّوه، وما وَجدتُم فيهِ مِن حرامٍ فحرِّمُوه: يكتفون بالقرآن.
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر مبينًا أنَّ سُنته وحيٌ يوحى، وليست من عند نفسه: "ما أُعْطِيكُمْ ولَا أَمْنَعُكُمْ، إنَّما أَنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ"[18].
ولأن السُّنة بهذا القدر العظيم، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ سُنته للناس فقال: "نضَّر اللهُ امرأً سمِع منَّا حديثًا فحفِظَه حتى يُبَلِّغَهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أحفظُ له من سامعٍ"[19].
فرُبَّ مُبلَّغٍ أحفظُ له من سامعٍ: فيه دليل على أنَّ السُّنة فيها فقه يُستنبط ويُطبَّق.
وفي كل هذه الأحاديث دليلٌ على أنَّ: أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيَهُ مثل أمرِ القرآن ونهيِه في الاحتجاج وضرورة الإيمان والعمل والتصديق.
أما الاقتصار على القرآن فحسبُ، فكما قال الشاطبي رحمه الله : "هو رأيُ قومٍ لا خلاق لهم، خارجين عن السُّنة؛ اطَّرحوا أحكامَ السُّنة، فأداهم ذلك إلى الانخلاعِ عن الجماعة، وتأويلِ القرآن على غير ما أنزل الله"[20].
في قول الشاطبي: "فأداهم ذلك إلى الانخلاعِ عن الجماعة، وتأويلِ القرآن على غير ما أنزل الله"، دليلٌ على أنَّ مَن أنكر السنة سيتأوَّل في المرحلة التالية القرآن على غير وجهه.
فالسُّنة ضرورة وحصن للإسلام، وسدٌّ مَنيعٌ ضد من يريد العبث بالإسلام.
وَاحْذَرُوا.