ج: ليس هناك تشريع سماوي... ليس هناك دين مُنَزَّلٌ من رب العالمين، وأيضًا ليس هناك تشريع أرضي... تشريع وضعي... تشريع مادي يمنع من التعدُّد، فيستحيل أن تجد ذلك.
لم يوجد، ولن تجد، ولن يوجد.
الفرق بين التشريع السماوي الذي ارتضاه الله لعباده، وبين التشريعات الأرضية الوضعية الفاسدة هو في صورة التعدُّد: هل هو تعدُّد زوجات برباط شرعي مسؤول بين رجل وامرأة، وواجبات على الرجل تجاه المرأة مدى الحياة، أم هو تعدُّد خيانات وخليلات وعلاقات حيوانية غير مسؤولة كما في التشريعات الأرضية الفاسدة؟
هذا هو الفرق، لكن لن تجد تشريعًا واحدًا عبر تاريخ البشر يمنع كل صور التعدُّد.
فالكتب السماوية كلُّها لن تجد فيها نصًّا واحدًا لا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن، ولا في غيرهم من الكتب السماوية يمنع من التعدد.
أما في التشريعات الوضعية الأرضية: فالتشريعات الوضعية القديمة كانت تسمح؛ إما بتعدُّد الزوجات أو الخليلات أو السرايا.
والتشريعات الوضعية الحديثة الفاسدة في الغرب تبيح بكل أريحية تعدد الخليلات ولو ألف عشيقة، فلو ارتكب إنسان الفاحشة مع ألف امرأة فلا مادة في أي دستور علماني تُجرِّم ذلك أو تمنع منه.
إذن كما قلت: لا يوجد تشريع يمنع من التعدد، لكن التعدد إما أن يكون تعددًا مسؤولًا برباطٍ شرعيٍّ مقدس، وإما أن يكون تعددًا شهوانيًّا حيوانيًّا غير مسؤول، تُستخدم فيه المرأة كلُعبة جنس.
ونظرًا لالتزامات التعدد في الشرع الإلهي... نظرًا للالتزامات التي على الرجل، والحقوق التي عليه في الإسلام، فأقل أمم العالم في التعدُّد على الإطلاق هي الأمة الإسلامية... أقل أُمَّة في العالم يُعدِّد فيها الرجال أكثر من امرأة هي أمة المسلمين.
ولن تجد إنسانًا في الغرب إلا وهو يُعدد العشرات، بل والله والمئات من النساء، إن لم يكن الآلاف في رحلة حياته، وقلّ بين المسلمين مَن يتخذ امرأتينِ؛ لأن تعدُّد المسلمين تعدُّد بشرع إلهي، فهو تعدُّد مسؤول وزواج ونفقة وحفظ وحماية ورعاية للمرأة، ومع كل هذا نحن فقط الذين نُلام على التعدد.
ولا يأتي التركيز في قضية التعدُّد إلا على المسلمين.
أمر عجيب!
فالتعدد الشهواني الحيواني العلماني الغربي اللامسؤول مقبولٌ عند الملحد تمامًا، بينما الزواج المسؤول والرباط الشرعي والتزام الرجل مدى الحياة مع المرأة هو ما يثير مشكلة وشبهة!
لقد ولَّد التعدد العلماني الغربي أكبَرَ أزمة أخلاقية في تاريخ الجنس البشري، وهي أزمة قتل الأجنَّة التي تحدثت عنها قبل قليل.
وفي أمريكا وحدها يُقتل أكثر من مليون جنين سنويًّا[1].
وإذا سِرتَ في شوارع أوروبا وأمريكا؛ ونظرًا للتعدد اللامسؤول، فسوف تجد أمامك مثل هذه الصناديق، والتي تقول لك: بدلًا من أن تلقي ابنك في القمامة حتى يموت ضعْهُ هنا في هذا الصندوق.
أمريكا وحدها بها عشرات الآلاف من هذه الصناديق.


فنحن أمام أكبر مهزلة أخلاقية في التاريخ.
نحن أمام نازية جديدة مرعبة، وإبادة جماعية يومية لم يشهد لها البشر مثيلًا.
لذلك فقد أتى الإسلام وتعامَل مع حاجة الرجل الطبيعية الفطرية الغريزية للتعدُّد... تعامل معها بوحي إلهي حكيم.
فالزنا جريمة كبرى في الإسلام.
فقتل الجنين بعد نفخ الروح هو قتل نفس بالإجماع[2].
فالإسلام يُجرِّم العلاقات الحيوانية، وما يتبع هذه العلاقات من كوارث.
الإسلام يقول لك: من أراد أن يُعدد فليتزوج زواجًا طاهرًا عفيفًا بالتزامات وواجبات وحقوقٍ، فهو رباط شرعي مسؤول بين الرجل والمرأة في النور، حيث يُلزَم الرجل أمام المجتمع طيلة عمره تُجاه هذه المرأة مسؤولية ونفقة ورعاية وحفظًا وتأسيس بيت، ورعاية ذرية، ونفقة عليهم.
وفي حال عَجَزَ الشخص عن كل هذه الالتزامات، فليصبرْ وليتقَّ الله.
وهنا السؤال: في حال عدم قدرة الرجل على الوفاء بهذه الالتزامات، فلا يُعدد ولا يُسمح له بأن يُعدد؟
فالاقتصار على واحدة أقربُ لأداء الحقوق وعدم الظلم[4].
أما من استطاع أن يفي بالحقوق والالتزامات للزوجة الثانية ولأولادِها، واستطاع أن يقوم على الحفظ والنفقة والرعاية والمودة والرحمة، فهذا يجوز له أن يعدد بزواجٍ طاهرٍ عفيفٍ، وما أحلَّه الله لا يُحرمه إنسان، فعدِّد كما تُحب: مثنى وثلاث ورباع، وليس لأحد من البشر أن يحرمك مما أحلَّ الله.
فالرجل يحتاج لأكثر من امرأة، وهذا أمر يتفق عليه كل البشر عبْر كل دساتيرهم كما فصَّلنا، فهذا إجماع غريزي إنساني، أضفْ إلى هذا أنَّ نصف حياة المرأة عوارض طبيعية من حيض ونفاس وقيود حمل، فهناك قيود كثيرة، وأضِفْ إلى كل ما سبق أنَّ غريزة الرجل الـ Sex Drive أعلى بشدة مما عند المرأة، وهذا أمر يُقرره أيُّ مرجع طبي متخصص.

فحاجة الرجل قد لا توفيها المرأة حتى في حالتها الطبيعية، أيضًا أغلب حال الرجل أنه يسافر ويغترب ويهاجر وقليلًا ما يكون مستقرًّا، وقبل هذا وذاك فالرجل بطبيعته يستطيع قلبه أن يُعدِّد.
ومن أجل كل هذا أجمع البشر عبْر كل دساتيرهم على إباحة التعدد.
والإسلام لم يأتِ لأبطال أسطورية ملحمية، وإنما أتى للبشر، وأتى ليُطبق، وأتى ليكون منهج حياة، والبشر لو لم يجدوا تعدُّد زوجات لعدَّدوا الخليلات وأظهروا الفواحش.
فالرجل قد يحتاج لأكثر من امرأة لدواعٍ لا يمكن حصرُها، وفي كل الأحوال البشر كانوا يُعددون وسوف يعددون!
والتعدد في الإسلام هو: أمثل وأحكم وأعلم نموذج... إنه دينُ رب العالمين.
وهنا قد يظهر سؤال: لماذا إذا كان التعدد في الإسلام أمثل وأحكم وأعلم نموذج... لماذا نحن الذين نُلام في موضوع التعدد؟
لماذا إذا ذُكر التعدُّد ذُكر المسلمون؟
ثم لماذا تكره المرأة المسلمة أن يُعدِّد زوجُها؟
ثم السؤال الأخطر: كيف أصبح هناك شِبه رفض مجتمعي للتعدد في بلادنا؟
والجواب: للأسف أصبحت نظرة المجتمع للتعدد نظرة خاطئة تمامًا، وأصبح أغلب الناس يتعاملون مع هذا الموضوع بصورة سخيفة... يتعاملون معه تعاملًا هزليًّا، فرسَّخوا في الأذهان تصوُّرات فاسدة عن التعدد، وفتحوا مجالًا للعلمانيين والملحدين أن يهاجموا التعدد عندنا.
فنحن عندنا أخطاء كثيرة في طريقة التعامل مع التعدد منها:
أولًا: أخطأ الرجل الذي جعل مسألة الزوجة الثانية موضوعًا للتهكُّم أمام زوجتِه فيقول لها بمناسبة وبدون مناسبة: أنا سأتزوَّج عليكِ.
وكأنه تهديد لها.
هذا الرجل بهذا الأسلوب يُرسِّخ في ذهن المرأة، وفي ذهن الناس من حوله، ودون أن يدري، أنَّ الزواج الثاني إيذاء للزوجة الأولى، فطالما أنه يهددها بالزواج الثاني، إذن فالزواج الثاني أمرٌ خطيرٌ عليها.
فهذا أسلوب غير صحيح بالكلية، وهو بهذا يشوه مسألة ليس فيها أيُّ خطر، ولا أيُّ تهديد، بل فيها حل لكثير من المشاكل كما سأوضح.
الخطأ الثاني: المجتمع بثقافته التي تبتعد عن روح الإسلام كلما تَقَارب الزمان، أعطى المرأة شعورًا بأن الزواج الثاني يعني فقدان الزوجة الأولى للأمان، ويعني حرمان الزوجة الأولى، ويعني تقصيرًا سيحصل في حق الزوجة الأولى ولا بُدَّ.
أصبحت للأسف هذه ثقافة المجتمع عن الزواج الثاني.
وللأسف كثير من تجارب الزواج الثاني كرَّست لهذه التصوُّرات الفاسدة.
فيأتي شخص ظالم جاهل يتزوَّج بزوجة ثانية، فيُهمِل الأولى أو يُضيعها!
فنحن شركاء بتصرُّفاتنا في تشويه هذا النموذج النقي الأمثل.
ونحن مَن نعطي العلماني الغربي الذي يعيش حياة بهيمية أن يسخر من الزواج المسؤول عندنا.
الخطأ الثالث: ما أن يُعدد الرجل حتى يظُنَّ الناس أن هذا لِعيبٍ في زوجته الأولى، أو لمشكلة حصلت مع الأولى، فتصبح وكأنها في موضع المتَّهم، أو في موضع مَن كانت سببًا في أن يتزوج زوجُها عليها.
وبعض النساء بالفعل تفقد الثقة في نفسها بمجرد زواج زوجها؛ لأنها تظن أنها السبب في زواجه لتقصيرها معه.
وهي قد ترى نظرات اللوم في عيون الآخرين، يلومونها أنه تزوج عليها، وهذا خطأ شديد، فالرجل قد يحتاج لزوجة ثانية دون أي تقصير من الأولى.
لقد تجرَّأ العلمانيون علينا ووجدوا مدخلًا للشبهة في قلوب بعض النساء في مسألة التعدد؛ نتيجةً للفهم الخاطئ للتعدد، والممارسات السيئة المرتبطة به من البعض.
وللأسف عَزَفَ الرجال عن الحلال حتى يستريحوا من نظرة المجتمع حال التعدد، فوقع بعضُهم في الحرام.
فلما حرَّموا على أنفسهم ما أحل اللهُ لهم وقعوا في المصائب.
إذن لا بد أن تكون هناك ثقافة مجتمعية تسعي لتصحيح هذه التصوُّرات الفاسدة والسلوكيات الخاطئة، وعلى الرجل أن يُصلح من نفسه، وأنْ يَعرف أنَّ الزواج الثاني ليس تهديدًا للزوجة الأولى، أو إشعارًا لها بأن ظلمًا سيقع عليها لو تزوَّج، بل هو مَن سيتحمل مسؤولية مضاعفة لا هي.
فحقُّ الزوجة الأولى كما هو لا يُنقص منه شيء... حقُّها في الإحاطة والرعاية وشعور الأمان والنفقة يوفره لها كما هو.
ويحافظ عليها ويدافع عنها بدمه: "ومَن قاتل دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ"[5].
فلا يُقصِّر في شيء من حقها ويرعاها ويحفظ ذريتها ويرعاهم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ"[6].
فحقوقُها يُوفّيها إليها كما هي.
يُضاف إلى كل ذلك بالقدر والقيمة والمعنى أنفسهم: حقوق الزوجة الثانية.
فالرجل هو مَن سيتحمل المسؤولية مضاعفة.
ولا يجوز له أن يميل لواحدةٍ على حساب الأخرى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من كان له امرأتانِ، يميلُ لإحداهُما على الأُخرى، جاء يومَ القيامةِ، أحدُ شقيْهِ مائلٌ"[7].
جاء يومَ القيامةِ، أحدُ شقيْهِ مائلٌ: يأتي مائِلًا بحيثُ يَراه أهلُ العَرَصاتِ؛ لِيَكونَ هذا زيادةً في التَّعذيبِ.
في الجهة الثانية: لا بد أن تعي المرأة أنَّ زواج الرجل ليس بسبب عَيبٍ فيها.
ولا بد أنْ تعي أنَّ التعدُّد تشريعٌ إلهيٌّ، ووحي إلهيٌّ، أحلَّه الله عز وجل .
من الممكن للمرأة أن ترفض زواج زوجها عليها بدافع الغيرة والغريزة، لكن لا ترفض التعدد كتشريع إلهي أحلَّه الله.
فدافع الغيرة والغريزة هذا أمر جِبلِّيٌّ لا شيء فيه، أما رفضُ التعدد وكراهيةُ ما أنزل الله فهذا مُحبط للعمل.
وهنا نعود لجواب السؤال السابق: لماذا ترفض المرأة التعدد؟
والجواب لثلاثة أسباب:
فأما الأول: فلثقافة المجتمع في نظرته للزواج الثاني، كما فصلنا.
وحلُّ هذه المشكلة بتغيير نظرة المجتمع للزواج الثاني كما قلنا قبل قليل.
وثاني الأسباب التي تجعل المرأة ترفض التعدد هو: حسابات بعض النساء المادية، حيث تبخل المرأة بما عند زوجها من مال أن تشاركها فيه غيرها، وهذا جهل؛ لأن الله هو الرزَّاق، وقد قسَّم سبحانه الرزق بين عباده بحكمته، وقد يغتني مَن يُعدد، وقد يُفلس مَن لم يتزوج بعد.
والنبي صلى الله عليه وسلم حذَّر من هذه الحسابات المادية عند بعض النساء، فقال: "ولَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إنَائِهَا"[8].
فلا تَطلُبُ المرأةُ مِن زَوجِها أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها لِتَستأثِرَ بِخَيرِ زَوجِها وحْدَها هذا جهلٌ.
فالله هو مقدر الأرزاق سبحانه.
وفي الحديث الآخر لتأكيد المعنى نفسه: "فإنَّ لها ما قُدِّرَ لَها"[9].
أما ثالث الأسباب التي تجعل الزوجة ترفض التعدد فهو: قضية الغيرة وهذا أمر فطري طبيعي جبلِّي، وهذه إحدى الفتن وإحدى البلاءات، فالشرع لن ينزل مفصلًا على أهوائِنا، وإلا ما كان تكليفًا.
فالله عز وجل يبتلي بأشياء قد تَشقُّ على النفس فقدَّر سبحانه الغيرة على المرأة.
وقدَّر على الرجل أشياء مثل: صلاة الجماعة، والقتال تحت ظل السيوف، والنفقة، وأمور كثيرة، وليس على المرأة شيءٌ منها.
فنحن في دار تمحيص بالفتن والبلاء.
وما قدَّر الله من شيء إلا لحكمة.
فقدَّر سبحانه زيادة غريزة الرجل نحو النساء، وهذه الغريزة الزائدة تجعل الرجل يحفر في الصخر، ويشقى طيلة عمره حتى يظفر بامرأةٍ يسعد معها، وهو مستعدٌّ أنْ يكِدَّ يومَه كلَّه، وامرأتُه في المقابل تنام هانئة مطمئنة، لا مشكلة لديه في ذلك.
فمِن حِكَم الغريزة القوية أنَّ: الرجل يصبر على كفاح العمر كلِّهِ بلا كلل.
ومن حكم خلقِ اللهِ للغَيرة عند المرأة: حتى تحافظ على بيتها، وتحافظ على زوجها من أن يُفتَن بالنساء.
وهنا قد يرد سؤال: لماذا لا تُعدد المرأة؟
والجواب: لدى المرأة عاطفة أُحادية، فالطبيعة النفسية للمرأة هي بأن تُخلص لرجلٍ واحدٍ، وهذا أيضًا له حِكم كثيرة، منها: استقرار البيت، وحِفْظ الأسرة.
فالله عز وجل يُقدِّر بحكمته كل ذرة في هذا الكون، ولا توجد ذرة في الكون إلا وهي تسير بعلم الله وحكمته وتقديره وإرادته ومشيئته وقدرته.
وما شرع الله عز وجل التعدد إلا للخير للرجل والمرأة على حدٍّ سواءٍ.
وكم من المشاكل للرجل والمرأة يقوم بحلِّها التعدد الصحيح بنموذجه الإسلامي النقي.
فهناك مشاكل مجتمعية رهيبة يقوم التعدد بحلها منها: مشكلة العنوسة، ومشكلة الخيانات الزوجية، ومشكلة الجوع العاطفي، ومشكلة التفسُّخ الأخلاقي، وكثير من المشاكل تُحَلُّ بهذا التشريع الرباني.
وكم من المجتمعات المسلمة عبر الزمن عدَّدت وما زالت تُعدد بلا أي مشاكل، ولا أي ضغط نفسي على الزوجة الأولى، وما ظهرت المشاكل والضغط النفسي إلا بفساد النظرة المجتمعية للتعدد.
فنحن نحتاج لإعادة النظرة الصحيحة، ونحتاج ليتعلم الرجال حقوق التعدد والتزاماته، ونحتاج ليتعلم الناس حِكَم شرع الله عز وجل .
ونحتاج قبل كل هذا لأن نَرضى بشرع الله، وأن نعملَ بما شرع.