فإباحةُ أكل لحوم الحيوانات التي أحلَّها الله هو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة.
فما أحلَّه الله هو قطعًا من الطيبات.
ثم لنسأل النباتيين: لماذا تجيزون قتل النبات؟
وقد ثبت بالدليل العلمي أنَّ للنبات حياةً، وله إحساس وشعور إلى درجة أنَّ سويسرا سنَّت قوانين لتجريم إذلال النبات[1].
فبأي سلطانٍ استحللتم يا دعاة النباتية النبات، وحرَّمتم قتل الحيوان؟
غاية التفاوت بين النبات والحيوان، أنَّ الحيوان يتمتَّع بمخ وجهاز عصبي وحركة، لكن النبات لا يحتاج ما يحتاج إليه الحيوان، فالله سبحانه يمتنُّ على الكائن بما يحتاجه بحكمته وقدرته عز وجل ، فالكائن الحي الذي يتحرَّك ليحصل على الطعام، ويهرب من أعدائه، يتمتَّع ببنية تتناسب مع ما يحتاج.
وهذا ليس بمجرده دليلًا على أنَّ النبات لا يعي، أو أنَّه أدنى من الحيوان.
وهناك نباتات كنبتة الصبار ذات الفكين تقبض على الحشرة بمجرد وقوفها عليها.

بل تبيَّن أنَّ هناك نباتاتٍ تتعلَّم مع الوقت، فنبتةُ الميموزا Mimosa pudica التي تغلق أوراقها بمجرد تعرُّضها للمس أو الصدمة، تبيَّن للعلماء أنَّه لو تكرَّر اللمس أو تكرَّرت الصدمة بالقوة نفسها فإن النبتة لا تنكمش مجددًا.

فالشعور بما في الخارج من مؤثراتٍ، هذا يشترك فيه كل نبات وحيوان، ولا يلزم منه مخ ولا جهاز عصبي.
بل إنَّ الأميبا ذاك الكائن وحيد الخلية التي لا تملك مخًّا ولا جهازًا عصبيًّا، لديها وعيٌ فإذا اقتربت من طعام ساكن كحُبيبة نشا تقترب منها بغير حذر، بينما إذا كان طعامًا متحركًا تقترب منه بحذر.
وبعض النباتات آكلة الحشرات تحسب عدد الحشرات لتغلق فكَّيْها على أكبر عدد ممكن[2].

فتحريم أكل الحيوان؛ لأنَّه يعي، هذا يستتبع بالضرورة تحريم أكل النبات.
ثم إن مصدر الحديد الأساسي في جسم الإنسان هو لحوم الحيوانات، وليس النبات.
والحديد هو رئة الأنسجة والخلايا، فهو الذي يُحمَل على ذراته الأوكسجينُ لكل خلية من خلاياك.
أضفْ إلى ذلك أنَّ النباتيين يعانون من نقص فيتامين ب12 الذي يمثل غذاء الجهاز العصبي، فلا يوجد هذا الفيتامين الضروري جدًّا إلا في الغذاء الحيواني.
ومن المعلوم أنَّ فيتامين ب12 هو أكثر الفيتامينات وصفًا في مستشفيات العالم؛ لحاجة الناس باستمرار إليه، وهو لا يوجد إلا في الحيوانات.
مشكلة النباتيين أنهم تأخذهم شفقة مُبالَغ فيها في ذبح الحيوانات، والعلمانيون والملاحدة يجمعون بطبيعتهم الأفكار الشاذة فيُروجون لهذه القضية.
لكن لا يعلم النباتيون أنَّ شعور الحيوان يختلف تمامًا عمَّا نتصوَّر، فالحيوان يُساق للذبح في هدوءٍ وسكينةٍ حتى صارت سكينته لحظة الذبح مضرب المثل في الوداعة: "كشاةٍ تُساق للذبح".
وشكل الاستجابة للألم عند الحيوان هو شكل انقباضي آلي بسيط لا يحمل توجعًا شعوريًّا مستقبليًّا ولا تأملًا استرجاعيًّا للألم فيما بعد.
بل المدهش الذي كشفه لنا علم دراسة سلوك الحيوانات أنَّ افتراس الحيوانات بعضها لبعض غير مؤلم كما نتخيَّل، بالقياس على طبيعتنا نحن البشر.
تقول عالمة الأنثرولوجيا البريطانية جين غودال Jane Goodall إنَّ: افتراس الحيوانات الضارية للضحايا غير مؤلم كما نتخيَّل[3].
بل وتقطيع أجزاء ضخمة من سمك القرش أثناء اشتباكاته قد يكون لطيفًا وغير مؤلم بالمرة، وأغلبهم لا يعاني اضطرابًا يُذكر، ولا يدركون أنَّ خطرًا كبيرًا أصابهم[4].
فهذه حقيقة يُسجلها العلم، فالحيوان لا يُراكِم الألم، ولا يسترجعه، ولا يتأمله.
وألم الحيوان أيسَرُ بكثير مما نتخيَّل.
وتجارب الحيوان مع الألم آنيَّة وقتيَّة، لكنه يوفر إدراكًا لاشعوريًّا يسيرًا في ذاكرته، يجعله يتفادى التعرُّض للخطر في المستقبل[5].
لكن قد يقول قائل: إذا كان ألم الحيوان بسيطًا ويسيرًا فلماذا يتألم بالأساس؟
كما قلت: الألم البسيط هو شيء جوهري أودعه الله في الحيوان كآلية لتوليد إدراك شعوري يحميه مستقبلًا من تكرار الحادث نفسه، ومن تعريض نفسه للخطر.
فالحيوان الذي تلسعه النار لن يقترب منها مرَّةً أخرى، والذي يقع في حفرة سيكون حذرًا في المرات القادمة.
وهنا ننتقل لنقطة مهمة وهي: كيف يتعامل الإسلام مع الحيوان؟
جاء الإسلام ونادى بالرحمة مع الطير والحيوان والشجر والنبات.
فلا يجوز تعذيب الحيوان في الإسلام ولا تجويعه، ولا تكليفه ما لا يطيق، ولا يجوز اتخاذه هدفًا يُرمى عليه بالنبل أو الرصاص، بل وورد النص بتحريم لعن الحيوان، وهذه أمور لم ترقَ إليها البشرية في أي وقتٍ من الأوقات، ولا حتى في عصرنا الحاضر.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ شيء فيه الروح غرضًا؛ ليُتعلم فيه الرمي، عن عبد الله ابن عمر ﭭ قال: "إنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شيئًا فيه الرُّوحُ غَرَضًا"[6].
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى أن يحول أحد بين حيوان أو طير وبين ولده، يقول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه : "كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ في سفَرٍ، فانطلقَ لحاجتِهِ، فرأَينا حُمَّرةً معَها فرخانِ، فأخَذنا فرخَيْها فجاءت تعرِشُ فجاءَ النَّبيُّ فقالَ: مَن فجعَ هذِهِ بولدِها؟ رُدُّوا ولدَها إليها. ورأى قريةَ نملٍ قد حرَّقْناها. فقالَ: مَن حرَّقَ هذِهِ؟ قُلنا: نحنُ، قالَ: إنَّهُ لا ينبَغي أن يُعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ"[7].
ونهى صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة بالحيوان، وهو قطع جزء من أطرافه وهو حيٌّ، ولعَن من فعل ذلك، عن عبد الله بن عمر ﭭ قال: "لعَنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن مَثَّل بالحيوانِ"[8].
بل لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع الشجر من غير حاجة، فقال: "من قطع سِدرةً صوب الله رأسه في النار"[9].
وقد حضَّ تشريع رب العالمين على رعاية الحيوان، وحذَّر أشدَّ التحذير من إيذاء الحيوان، فقد دخلت امرأة النار في هِرَّة أجاعتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ"[10].
وفي المقابل دخلت بَغيٌّ من بغايا بني إسرائيل الجنة في كلب سقتْهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ قدْ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَها، فاسْتَقَتْ له به، فَسَقَتْهُ إيَّاهُ، فَغُفِرَ لها بهِ"[11].
ومن صور رحمة التشريع الإسلامي بالحيوان أنَّه أمر بالإحسان إلى البهيمة حال ذبحها، وأثنى على من فعل ذلك، بل ونهى أن تُحَدَّ آلة الذبح أمام الحيوان؛ لئلا تروعه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"[12].
وعن معاوية بن قُرَّة عن أبيه رضي الله عنه : "أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لَأذبحُ الشَّاةَ وأنا أرحَمُها -أو قالَ: إنِّي لأرحَمُ الشَّاةَ أن أذبحَها- فقالَ: والشَّاةُ إن رحِمْتَها رحِمَكَ اللَّهُ"[13].
وعن ابن عباس ﭭ: "أنَّ رجلًا أضجَعَ شاةً وهوَ يُحِدُّ شَفرتَهُ، فقالَ النَّبيُّ: أتريدُ أن تُميتَها مَوتاتٍ؟ هلَّا أحدَدْتَ شَفرتَكَ قبلَ أن تُضجِعَها؟"[14].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَن رَحِمَ ولو ذَبِيحةَ عُصْفُورٍ، رَحِمَهُ اللهُ يومَ القِيامةِ"[15].
فهذه رحمة تشريع رب العالمين بالكائنات الحية، فهي شريعة عدلٍ ورحمةٍ.
أما تشريع النباتيين فلا ينتمي لعقل، ولا بصيرة، ونهايته هلاك الحيوان والإنسان.
ولو سار الإنسان خلف هراء النباتيين فسيُحرِّم على نفسه كلَّ مأكولٍ؛ لأن كل مأكول نتاجُ حياة واعية، وسيحرم على نفسه التبرز؛ لئلا يقتل الطفيليات التي تموت بالتبرز؟
وسيحرم على نفسه الاغتسال؛ لئلا يقتل المستعمرات البكتيرية التي تحيا على جلده.
حين تخالف الدين الحقُّ ينهار عليك سقف العقل!
***