ج: أتخيَّل لو أنَّ طارح مثل هذه الشبهة ذهب لمجلس الإمام البخاري الذي كان يحضره عشرون ألفًا من عباقرة هذا العلم، ثم قال للإمام: كيف لك أن تجمع الأحاديث بعد مائتي عام من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ربما لأصبح هذا الحدث أشهر خبر من أخبار الحمقى والمغفلين على مر العصور.
إن المتقدمين ما تركوا شبهة إلا وبيَّنوها للناس.
ولا أعرف أحدًا من المتقدمين تعرَّض لهذه الشبهة -شبهة تأخُّر كتابة الحديث النبوي مائتي سنة- لأنَّ هذه ليست شبهة، بل هي دليل جهل شديد بالإسلام.
فالسُّنة كانت مكتوبة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وكتاب الصدقات والدِّيات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم، هو كتاب أحاديث نبوية تمَّت كتابته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم [1].
وكتاب عبد الله بن عمرو بن العاص هو أيضًا كتاب أحاديث نبوية مكتوب في عصر النبوة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومجموع أحاديث هذا الكتاب ألف حديثٍ، وكان يُسمِّيه عبد الله بن عمرو بـ: "الصحيفة الصادقة"، وهذا الكتاب انتقل إلى حفيده عمرو بن شعيب، وروى الإمام أحمد في مسنده جُزءًا كبيرًا منه؛ وروى كذلك البخاري ومسلم بعضًا منه، وتناقَلَه أولادُه وذريَّتُه من بعده، ونال الرعاية والحِفظ والتداوُل والنَّقْل عبر الزمن.
وكتاب أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه كُتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وكتاب سعد بن عُبادة رضي الله عنه كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وكتاب الإمام علي، وما كُتب عام فتح مكة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي شاه اليمني[2].
كتب أحاديث كثيرة كُتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم [3].
فهناك كما قلت اثنان وخمسون صحابيًّا من كُتَّاب الحديث النبوي زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم جاء التابعون ونقلوا عنهم ما كتبوا، ونقوا عنهم ما حفظوا.
فأبو هريرة رضي الله وحده نقل عنه ثمانمائة تابعي، وبعضهم ينقل الأحاديث شفاهةً والبعض الآخر كتابةً.
وقد كان في جيل التابعين تلاميذ الصحابة المئات من كُتاب الحديث النبوي، ومن أشهرهم همام بن مُنبِّه، صاحب الصحيفة التي وصلتنا كاملةً، فكتاب همام بن مُنبِّه وصلنا كاملًا، وهذا الكتاب كتاب أحاديث نبوية كُتب في السنوات التالية مباشرةً لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
فهناك الكثير من كُتَّاب الحديث من التابعين.
وكان يكتب عن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل أربعة عشر تابعيًّا.
وكان يكتب عن ابن عباس تسعة من التابعين، وكانت كتب ابن عباس وَقْرَ بَعِيرٍ.
وبالمناسبة: همام بن مُنبِّه صاحب الصحيفة الشهيرة، هذه الصحيفة ما زالت بين أيدينا حتى الساعة، ومنها نسخة في مكتبة دمشق، ونسخة أخرى في مكتبة برلين.
ونُقلت الصحيفة كاملة في مسند الإمام أحمد.
وصحيفة تعني: كتاب.
كان عدد كُتاب السُّنة في عهد التابعين 252 تابعيًّا[4].
فكتابة الحديث بدأت منذ عصر الرسالة، وكَتب الصحابةُ الأحاديث النبوية، وكَتب التابعون الأحاديث النبوية.
ومن أشهر تلاميذ ابن عباس من التابعين: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وكان لكل واحدٍ منهما كتابُ حديثٍ فأصبحت عندنا: صحيفة سعيد بن جبير، وصحيفة مجاهد بن جبر.
ونشِط أيضًا أبو الزبير محمد بن مسلم المكي أحد أشهر وأضْبط تلاميذ جابر بن عبدالله، فكتب عنه صحيفةً عُرِفَت باسمه، وعندنا صحيفة أيوب السَّخْتيانِي، وصحيفة عروة بن الزبير، وصحيفة خالد بن مَعْدان، وصحيفة أبي قِلابة، وصحيفة الحسن البصري، كل هؤلاء تلاميذ الصحابة كتبوا الأحاديث النبوية.
فالكتابة للحديث النبوي متصلة وموجودة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
لكن يا تُرى: مَن أول مَن فكَّر في جمع كل الأحاديث النبوية في كتابٍ واحدٍ؟
والجواب: فكرة جمع كل الأحاديث النبوية في كتابٍ واحدٍ والتي تُسمَّى بالتدوين، كانت في ذِهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد فكَّر في جمع الأحاديث كما تمَّ جمع القرآن، واستشار كبار الصحابة في ذلك فوافقوه على ذلك، لكنه تراجع حتى يتمكَّن القرآن في قلوب الناس، ولا يختلط بالسُّنة؛ لأن عهد الناس بالقرآن حديث جدًّا، فأغلب المسلمين على وجه الأرض في ذاك الوقت لم يسلموا إلا قريبًا.
فقرَّر عمر أن يتأنَّى بالناس حتى يتمكَّن القرآن من قلوبهم.
والسُّنة محفوظة ومنقولة ومكتوبة فلا خوف عليها، لكن لو جُمعت في كتابٍ واحدٍ، ووُّزعت على الأمصار بالتوازي مع القرآن لزاحمت القرآن، ولم يُؤمَن أن تلتبس به.
فأجَّل عمر رضي الله عنه فكرة تدوين السُّنة في كتابٍ واحدٍ.
وظلَّ الأمر على ذلك إلى أن أتى زمن تلميذ عمر بن الخطاب: كثير بن مُرَّة، وقد أدرك كثير بن مُرَّة سبعين بَدْريًّا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أيضًا تلميذُ معاذ بن جبل، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعوف بن مالك، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وعدد كبير من كبار الصحابة فقد تتلمذ على أيديهم جميعًا.
ففي زمن كثير بن مُرَّة بدأ مشروع تدوين السُّنة، فقام هو بجمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .
ومشروع كثير بن مرة كان مشروعًا عملاقًا، وجاء بأمر من التابعي الجليل: عبد العزيز بن مروان، والذي كان حاكمًا على مصر طيلة 20 سنة.
وبعد عبد العزيز بن مروان جاء ابنه: عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، والذي أمر أبا بكر بن حزم، وابن شِهاب الزُّهري بإكمال مشروع كثير بن مُرَّة.
إذنْ فتدوين الحديث كان في مرحلة مبكرة جدًّا.
أما كتابة الحديث فكانت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما فصَّلنا، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابتها بين يديه، وقال: اكْتُبُوا لأبِي شَاهٍ[5].
ولما توقَّف عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ عن كتابة السُّنة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : اكتُبْ؛ فوالَّذي نفْسي بيدِهِ، ما يَخْرُجُ منه إلَّا حقٌّ[6].
وكان أبو هريرة يخصص ثلث الليل؛ ليحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فالسُّنة كانت تُكتب وتُحفظ بين يديه صلى الله عليه وسلم .
وفي الحديث الصحيح عندما سُئل عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ قَالَ: فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا يَعْنِي: قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
وانظر لقول عبد الله بن عمرو بن العاص: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكْتُبُ، فقضية أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكتبون الأحاديث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قضية بديهية.
لكن هنا قد يقول قائل: ما أجمل لو دُوِّنَتِ السُّنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً!
والجواب: بعض الناس ربما يتخيَّل لو دُونت السُّنة من أول يوم في كتابٍ واحدٍ لانقطعت ألسنة المغرضين من نفاة السنة.
وهذا كلام غير صحيح؛ لأن الكتابة ليست من لوازم الحُجية، ولا يتوقَّف عندها صيانة الحجة،
بل إنَّ الكتابة لا تفيد القطع عند العرب كما يفيد الحفظ!
ونحن ما عرفنا الشعر الجاهلي إلا بالحفظ.
ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة كيفية الصلاة أو أوقاتِها، ولو كانت الكتابة من لوازم الحجية لأمر بكتابة كيفية الصلاة بكل حركةٍ وكلمةٍ وذِكرٍ.
أيضًا حجية القرآن ليست في أنه كُتِب.
فالناس حتى الساعة يتلقَّون القرآن بالسماع.
فالقرآن كتاب صوتيٌّ، وليس كتابًا ورقيًّا، فكل حرف في القرآن نُقلت طريقة نطقِهِ نقل شِفاهٍ من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنت تأخذ القرآن من فم شيخك، ولا تستطيع أن تحصل على إجازة في القرآن دون النقل الشِّفاهي لكل حرف فيه، وشيخك حصل على الإجازة من فم شيخه، وهكذا وصولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ولا تتمُّ طباعة المصحف حتى الساعة في أية دولة إسلامية إلا بعد أن يقوم بمراجعته أهلُ الأسانيد، ممن تلقَّوهُ نقل الشِّفاه من فم النبي صلى الله عليه وسلم .
إذن حجية القرآن في نقل الشفاه، وليست في أنه دُوِّنَ.
ولذلك عندنا مقولة: لا يؤخذ القرآن من مصحفيٍّ.
فالقرآن يؤخذ ممن يتلقَّاه مشافهةً في سلاسل من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرِنا هذا.
فالاعتمـاد فـي نقـل القـرآن علـى حفـظ القلـوب، لا علـى حفـظ المصـاحف[7].
فالقرآن في الأصل كتاب صوتي، وكذلك الحديث رواية صوتية.
الحديث منقول بالسماع عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل طبقة.
وكما أنَّ القرآن مُدوَّن ومحفوظ في الصدور، كذلك السُّنة مُدوَّنة ومحفوظة في الصدور.
وحجية حفظ الصدور هي الأساس في نقل القرآن والحديث، وليس مجرد التدوين.
ولذلك لما دُوِّن القرآن زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، لم يكن عندنا سوى ست نسخ من القرآن في كل الأمة الإسلامية.
نسخة المصحف الإمام عند عثمان، ونسخة لليمن، ونسخة للشام، ونسخة للعراق، ونسخة لمصر، ونسخة لمكة.
والناس يتناقلون القرآن سماعًا، وظل نقل القرآن السماعي عبر القرون وحتى يومنا هذا، وسيبقى هكذا إلى أن تقوم الساعة.
الأمر نفسه بالنسبة للحديث، فقد كُتِب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه في الأساس نُقل بالسند الصحيح المتصل نقْل صدور ونقْل شفاه.
إذنْ فحجية القرآن لم تأتِ مِن تدوينه، وإنما حجية القرآن من حفظه في الصدور، ونقله على مرِّ العصور، كذلك السُّنة.
لكن لماذا لا تُثبِت الكتابةُ حجيةَ النقل؟
والجواب: إذا تعارَضَ حديثٌ مسموع مع مكتوب، أَخذ أهلُ العلم بالمسموع.
قال الآمدي: رواية السماع أوْلى لبُعدها عن تطرُّق التصحيف والغلط[8].
فالنقل المتقن الضابط العدل أقوى وأعلى حجية من الكتابة؛ لأن النقل الصوتي أبعدُ عن التصحيف والغلط.
فالحافظ أتقنُ لما يقول، وأعرف لمعنى ما يقول، وأضبطُ لمقصود ما يقول، خاصَّةً من قومٍ عُرفوا بقوة الحفظ، ونَقلوا تاريخهم بقوة الحفظ، فاعتمادُهم على ذاكرتهِم هو أساس الحجية.
ومشكلة الكتابة أنها لا تنضبط بها الذاكرة؛ لأن الذي يكتُبُ ينسى، فيأتي احتمال تطرُّق الخطأ، ثم إنَّ عدم ضبط المكتوب قد يُغير المعنى بالكلية بتصحيفٍ واحدٍ في حرفٍ واحدٍ من الحديث، بينما الذي يقرأ من حفظه يُوَلِّد عندك اطمئنانًا عجيبًا.
تخيل عندما يُستفتى مُفتٍ في مسألةٍ شرعيةٍ، فيجيب بالأدلَّة من السُّنة من حفظه، أليس هذا أوثَقَ عندك، وأكثَرَ طمأنينة لفؤادك ممن ينقل لك الفتيا من الكتب؟
فالحفظ يزيد اطمئنانك لمعرفة الحافظ بدلالة الحديث ومعناه وفقهه.
والحفظ سجيَّةُ العرب فلم يكن بالشيء المرهق لهم، فهم يحفظون مُعلَّقاتهم، وكان منهم مَن يحفظ ألف بيت شعرٍ، كذلك القرآن بقِي في عهد النبوة محفوظًا في الصدور.
واعتمدوا في نقل المعرفة على حفظ الصدور، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُرسِل مَن يُعلّم الناس دينهم، ويحكم بينهم، ويقضي بينهم، لا بكتابٍ وإنما بحفظ الصدور وفقه القلوب.
وساعد العربَ على قوة الحفظ بساطةُ المعيشة، والجوُّ الهادئ، وقلَّة الشواغل، وحدَّة الذكاء، وسَعة الخبرة باللسان العربي.
وكانوا مطبوعين على الحفظ، فابن عباس حَفِظ قصيدة عمرو بن أبي ربيعة من 75 بيتًا من أول مرةٍ سمعها، وكان كذلك الزُّهْري والشَّعبي، حتى يقول الزهري: ما دخل أُذني شيءٌ نسيتُهُ.
فالحفظ أيسَرُ على العرب، وهو أسلم بكثير وأضبط، والحفظ لا يكون إلا بالفهم وإدراك المعنى والتحقُّق منه.
لذلك ولَّد حفظ سُنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصدور "مَلَكَة الفقه العجيبة" التي ظهرت في سلف هذه الأمة، وفي كل مَن يعتني بالحفظ في كل زمنٍ.
فهذا الميراث الفقهي المدهش الذي تم استنباطه من القرآن والسُّنة مصدرُهُ حفظ الصدور، وإتقان المعنى.
فالحفظ ولَّد الفقه.
فتجد أحدَهم يسترسل في ضبط الأحكام الشرعية، وكأن مكتبة ضخمة مفتوحة أمامه ينهَلُ منها ما يريد في أي لحظة.
وتجد ابن القيم يكتب زاد المعاد كاملًا في أحد أسفاره دون العودة لكتبٍ.
ويُملي السَّرَخسِيُّ على تلاميذه وهو محبوس في بئرٍ كتابَ "المبسوط" وهو موسوعة ضخمة من خمسة عشر مجلدًا.
وشرَح القرطبيُّ "صحيحَ مسلم" وهو على ظهر سفينة، وشرْحه وقع في خمسة عشر مجلدًا إملاءً من خاطره من غير مطالعةٍ، ولا مراجعةٍ، ولا تعليقٍ.
فالحفظ ولَّد هذه الملَكة العجيبة عند هذه الأمة.
أما مَن يعتمد فقط على الكتابة فقد لا يفقهُ.
لذلك لم يكن العرب يثقون بالكتابة إلا بشروطٍ كثيرةٍ، فلا بد أن يحمل المكتوب سندًا وخَتمًا حتى يوثق بأن كاتبه هو فلان.
وقد يقع في الكتابة التصحيفُ.
فلن تُقدِّم لنا الكتابة شيئًا إضافيًّا للأمة لو تمَّ تدوين السُّنة -جمع كل الأحاديث في مكان واحد- من أول يوم، بل قد يُفوّت هذا الأمرُ فرصةَ توليد هذه الملكات الفقهية العجيبة التي ولَّدها الحفظ.
ولربما حصلت مع الكتابة إشكالاتُ وقوع الظن في معنى ما كُتب، وإشكالات التصحيف، فربما تتغيَّر نقطة واحدة على حرفٍ واحدٍ؛ فتؤدي لتغيير معنى الحديث بالكلية.
ومن اعتمد على الكتابة تضعُف ملكة الحفظ عنده، وبالتالي ينسى المعنى المقصود، وينسى ضَبْط ما كَتب.
فمِن رحمة الله بهذه الأمة أن قدَّر لها أن تحفظ سُنة نبيها حفظ صدور، كما حفظت القرآن حفظ صدور فتولَّد هذا الفقه العظيم لدين الله عند السلف.
وهذا من عجيب حكمة الله وفضله على هذه الأمة.
وسبحان الله حتى الفلاسفة عبر التاريخ كانوا يستشعرون بعبء الكتابة، وكانوا يُؤكّدون أنَّ الذي يعتمد على الكتابة دون الحفظ يضعُفُ ذهنه مع الوقت، من أجل ذلك كان أفلاطون يهجو الكتابة بشدةٍ، ويؤكد أن الكتابة تؤدي لضياع المعنى، وفتور النفس[9].
وسوف تبقى السُّنة محفوظة بحفظ الله للقرآن، محفوظة إلى قيام الساعة، فهي بيان القرآن، والمصدر الثاني للتشريع باتفاق كل مسلم.
ولا يُخالف في كونها المصدر الثاني للتشريع، وبيان القرآن إلَّا مَنْ لا حظَّ له في دين الإسلام، كما قال الشوكاني رحمه الله [10].