ج: أبو هريرة رضي الله عنه كان رأسًا في القرآن والسُّنة كما يقول الذهبي.
قال الذهبي: "أبو هريرة سيد الحُفاظ الأثبات... أين مثل أبي هريرة في حفظه، وسَعَة علمه.
إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأدائه بحروفه"[1].
وقال عنه الشافعي: أبو هريرة أحفظُ مَن روى الحديث في دهره.
وكان لسَعةِ علمه ينزل الحسين بن علي ﭭ عند رأيه[2].
والسرُّ في فقه أبي هريرة وحفظِهِ لهذا العدد من الأحاديث أنه كان ألزَمَ الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت يدُهُ مع يدِهِ يدور معه حيث دار، إلى أن مات صلى الله عليه وسلم ولذلك كثُر حديثه.
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب كما ورد في صحيح سنن الترمذي: "يا أبا هُرَيرةَ، أنتَ كُنْتَ ألزَمَنا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وأحفَظَنا لحديثِه"[3].
فهذا شهادة من الصحابي الجليل عبد الله بن عمر في حق أبي هريرة ﭭ.
ففي السنوات الأربع الأخيرة للنبي صلى الله عليه وسلم كان أبو هريرة ملازمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمةً تامَّةً، كما يقول ابن حجر: "كان يدور معه، ويدخل بيته، ويحج ويغزو معه، يرافقه في حله وترحاله، في ليله ونهاره حتى حمل عنه العلم الغزير، وصار مرجع الناس، ومرجع الصحابة في الفتيا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم "[4].
وقد رَوى عن أبي هريرة حوالي ثمانية وعشرين صحابيًّا؛ وهذا لثقتهم في علمه، وقُربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى عنه زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأُبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهُمُ الكثير رضي الله عنهم ، كما روى عنه وتتلمذ عليه مئات من التابعين، فقد روى عنه من التابعين حوالي ثمانمائة تابعي.
قال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر[5].
وأيضًا ما ميَّز أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه تأخرت وفاته، واحتاج الناس إلى علمه، حيث إنَّه عاش إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، فأقبل عليه طلاب العلم.
وما ميَّزه أيضًا قُوَّة حفظه.
وقوة حفظ أبي هريرة كانت ببركة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال أبو هريرة: "قُلْتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أنْسَاهُ؟ قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ، فَما نَسِيتُ شيئًا بَعْدَهُ"[6].
وذات يومٍ دعا أبو هريرة ربَّه قائلًا: أسألُك عِلمًا لا يُنسَى، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: آمين[7].
فكان رضي الله عنه أحفظَ الناس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يُخصِّص ثُلُث الليل لحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .
وهنا السؤال المهم: كم عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه ؟
والجواب: عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة بغير المكرر هي: 1336 حديثًا.
وهذا لا يصعُبُ على إنسان حفظه.
بل هذا العدد من الأحاديث يحفظه طالب العلم في ستة أشهر.
وكثير من طلاب العلم اليوم يحفظون بلوغ المرام، وعدد أحاديث بلوغ المرام أكبر من هذا العدد.
والسؤال الأهم: كم عدد الأحاديث التي انفرد أبو هريرة بروايتها؟
والجواب: انفرد أبو هريرة رضي الله عنه برواية 42 حديثًا فقط!
تخيل!
كل الهجمة على أبي هريرة من أجل 42 حديثًا!
طبعا مَن يهاجمون أبا هريرة لا يعرفون هذه المعلومات، ولا يعرفون إلا الهجوم على الدين، فيأخذون أبا هريرة طريقًا للهجوم على الإسلام والسُّنة.
فأبو هريرة صار رمزًا لرواية الحديث.
ولما أرادوا الهجوم على الحديث بحثوا عن الرمز، فذهبوا لأبي هريرة.
وإلا فلو كانوا يعرفون أن أبا هريرة لم ينفرد إلا باثنين وأربعين حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستحوا من كذبهم.
ذات يوم قعد محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري في مجلس فيه أبي هريرة رضي الله عنه وكان المجلس يضمُّ كبار الصحابة، فجعل أبو هريرة يُحدِّثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث، فلا يعرفه بعضهم ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم، حتى فعل ذلك مرارًا.
قال محمد بن عُمارة: فعرفت يومئذ أنه أحفظُ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [8].
وأراد مروان ابن الحكم أن يختبر قوة حفظ أبي هريرة فدعاه وأقعد كاتبه خلف السرير، وجعل يسأل أبا هريرة في الأحاديث، وأبو هريرة يجيب، والكاتب يكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول -بعد مضي عام- دعاه مرةً أخرى، فسأله الأسئلة نفسها. يقول الكاتب: فما زاد أبو هريرة ولا نقص ولا قدَّم ولا أخَّر[9].
فأبو هريرة رضي الله عنه إمام الحديث من الصحابة، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحببه الله إلى المؤمنين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا، وَأُمَّهُ إلى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إلَيْهِمِ المُؤْمِنِينَ".
يقول أبو هريرة: فَما خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بي وَلَا يَرَانِي إلَّا أَحَبَّنِي[11].
فحب أبي هريرة علامة أهل الإيمان.
نُشهد الله على حبه.
رضي الله عنه وأرضاه.