ج: حديث الآحاد هو كلُّ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عددٌ من الرواة في كل طبقة لا يصل إلى حد التواتر.
فلو أنَّ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صحابيٌّ واحدٌ إلى عشرة من التابعين، ثم انتشر بين الناس، فهذا يُسمَّى حديث آحاد.
والحديث الذي رواه صحابيَّانِ إلى مائة تابعي، ثم انتشر بين الناس، يُسمَّى أيضًا: حديث آحاد.
والحديث الذي يرويه ثلاثةٌ من الصحابة إلى مئات التابعين، يُسمَّى حديث آحاد.
فمثلًا حديث: "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ"[1].
هذا حديث رواه ثلاثة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدد كبير من التابعين.
ومع ذلك اسمه: حديث آحاد.
والحديث الذي رواه أربعة من الصحابة إلى مئات التابعين، اسمه: حديث آحاد.
أما الحديث المتواتر فهو: كل حديث رواه جمعٌ كبيرٌ من الصحابة إلى جمع كبير من التابعين.
بحيث يكون هناك جمع كبير من الرواة في كل طبقة من السند، وهذا الذي يُسمَّى بالمتواتر.
والتفريق بين الحديث الآحاد والحديث المتواتر هو تفريق اصطلاحي حديثي فقط.
فالسلف لا يُفرقون بين متواتر وآحاد.
فطالما صحَّ الحديث، وثبَت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب العملُ به؛ سواءً رواه صحابيٌ واحدٌ أو صحابيَّانِ أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، طالما صحَّ الحديث وَجَبَ العمل به في العقائد والأحكام والتشريعات.
فهذا التقسيم: آحادٌ ومتواترٌ، هو تقسيم اصطلاحي لطلاب علم الحديث.
فالكل يتفق ولا يشذُّ عالمٌ واحدٌ من علماء الحديث على أنَّ: الحديث آحادًا كان أو متواترًا طالما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب العمل به.
فالعبرة في الأخير بصِدق الخبر وصحته، وليس بعدد من أخبرك الخبر.
فقد يصحُّ حديث من راوٍ صادقٍ ثَبْتٍ، ولا يصحُّ من أكثر من راوٍ مجهولٍ.
فطالما اتصل السند، وثبَتت عدالة الراوي وضبطُهُ، وسَلِم الحديث من الشذوذ والعلَّة صار صحيحًا، ووجب العمل به؛ سواءً جاء من طريقٍ أو مائةٍ.
والآحاد حجة عقلية في قبول الحُكم؛ إذ لو أتاك شخصٌ واحدٌ ثقةٌ صدوق، ونقل لك خبرًا رآه بعينه فهذا يُولِّد عندك العلم الضروري، بينما لو أتاك أكثر من شخص مجهول لا تعرفهم وأخبروك خبرًا فقد لا يطمئن قلبُك لما قالوا.
فالعبرة ليست بالعدد، وإنما بالخبر الصادق.
والشريعة تقوم على حجية خبر الآحاد، وأنه يُلزِم بالعلم والعمل معًا.
مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ: والطائفة تشمل ما دون المتواتر، وبها يقع العلم والحُجة.
وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرسِلُ رُسُلَهُ آحادًا، ويُرْسِلُ كُتُبَهُ مع الآحاد، ولم يكن المُرْسَلُ إليهم يقولون: لا نقبله؛ لأنَّه خبر واحد.
والأنبياء أتوا فُرادى إلى أقوامهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "نَضَّرَ اللَّهُ امرأً سمعَ منَّا حديثًا فحفظَهُ حتَّى يُبلِّغَهُ فربَّ حاملِ فقْهٍ إلى مَنْ هوَ أفقَهُ منْهُ"[2].
وهذا الحديث دليلٌ على حجية خبر الواحد، فالواحد الثقة الضابط للحديث حجة.
فالحديث يحمله الواحد، ويُبلِّغه الواحد، وتقوم الحجة بالواحد.
وحديث: "مَن يَأْتِينَا بخَبَرِ القَوْمِ؟ فَقالَ الزُّبَيْرُ: أنَا"[3].
وكان هذا يوم الأحزاب، فهنا اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم خبر الزبير، وهو خبر الواحد.
وحديث: "بَيْنَما نحنُ بمِنًى إذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ على جَملٍ وهو يقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: إنَّ هذه أيَّامُ طُعْمٍ وشُربٍ، فلا يَصومَنَّ أحَدٌ، فأَسمَع النَّاسَ"[4].
وهنا اتبع الناسُ أمْرَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذا فيه حجية خبر الواحد، وقيام العلم والعمل بخبره.
وأنت تُصدِّق المؤذنَ، وتعمل بخبره في أهم شعيرة في دينك: الصلاة.
وهذا خبر آحاد.
والأدلَّة في هذا لا تُحصى.
والنبي صلى الله عليه وسلم كما قُلتُ كان يرسل الواحد من صحابته في تنفيذ أمره، أو إمارة الناس، نيابةً عنه أو قبض الزكاة، أو غير ذلك.
فالأمة مجمِعةٌ على قبول خبر الواحد والعمل بخبره.
وانظر لحديث: "بيْنَما النَّاسُ في صَلَاةِ الصُّبْحِ بقُبَاءٍ، إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قدْ أُنْزِلَ عليه اللَّيْلَةَ، وقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إلى القِبْلَةِ"[5].
فالصحابة عملوا بخبر الواحد واستداروا وهم في صلاتهم.
فمتى جاء الثقة بالخبر: حصل العلم، ووجب العمل.
وحديث أنس: "كُنْتُ أسْقِي أبا عُبَيْدَةَ، وأَبا طَلْحَةَ، وأُبَيَّ بنَ كَعْبٍ مِن فَضِيخِ زَهْوٍ وتَمْرٍ، (يشربون الخمر) فَجاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إنَّ الخَمْرَ قدْ حُرِّمَتْ، فقالَ أبو طَلْحَةَ: قُمْ يا أنَسُ فأهْرِقْها، فأهْرَقْتُها"[6].
جاءَهُمْ آتٍ: شخص واحد ثقة حصل به العلم، وأهرقوا الخمر.
قال الشافعي: خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنتهى إليه، ويُفتى به، ويَقبلُهُ كل أحد[7].
وعلى العمل بخبر الواحد التابعون كافة، ولم ينكر أحدٌ ذلك، ولا اعترض عليه[8].
قال شيخ الإسلام: "ما يرويه الواحد العدل يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين، والسلف لم يكن بينهم في ذلك نزاع"[9].
فلم يظهر التكلم في حجية خبر الواحد إلا بين المبتدعة[10].
وأهل السُّنة والجماعة لا يُفرِّقون بين الحديث المتواتر وبين خبر الآحاد، ويحتجُّون بالمتواتر والآحاد في العقائد والأحكام على حدٍّ سواءٍ.
قال ابن حزم رحمه الله : "فإنَّ جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم "[11].
وقال السَّمْعَاني رحمه الله : "إنَّ الخبر إذا صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثِّقاتُ والأئِمَّة، وأسندَه خَلَفُهم عن سَلَفِهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلقَّته الأُمَّة بالقبول؛ فإنه يوجب العِلْمَ، وأما من قال لا بد من طريق التواتر، فقائل ذلك يريد ردَّ الأخبار"[12].
فلم يظهر إنكار حجية خبر الآحاد كما قلت إلا بين المبتدعة وهدفهم من هذا ردُّ السنة.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا يريد المبتدعة أن يهجروا السنَّة؟
والجواب: لأنَّه إذا هُجرت السنَّة وجد المبتدعة ميدانًا للكلام في نصوص الشرع وتأويلها وَفْق أهوائهم.
فالتسليم بكل خبرٍ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا قاطعٌ لمادة البدعة، وحاسمٌ لكل من يريد العبث في دين الله.
فالسُّنة تقمع البدعة.
ولا يَعرف أهل البدع أنَّ التنكُّر لأخبار الآحاد هو بدعة إضافية، فالتشكيك في حجية خبر الآحاد هو قول مُبتدَع مُحْدَث، لا أصل له في الشريعة.
وفي الحديث المتفق على صحته: مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ[13].
فإنكار حجية خبر الآحاد بدعة، و "كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ"[14].
فهذه بدعة إضافية عند المبتدعة.
لكن قد يقول قائل: خبر الآحاد يفيد الظن؛ لذلك ما نأخذ به في العقيدة.
والجواب: الظن الذي لا يُعتد به عقليًّا هو الظن المَرْجُوح، أو الظن الذي لا يُفيد عِلْمًا.
وليست أحاديث الآحاد من ذلك في شيء.
إذن فالقول بالأخذ بخبر الآحاد في باب الأحكام وتركه في باب العقائد، هو قول بدعيٌّ سقيمٌ، ثم من أين لهم بهذا التقسيم؟
أين الدليل الذي يُعْتَدُّ به على تَرْك العمل بحديث الآحاد في العقيدة؟
هل ثبَت ذلك بآية قرآنية أو حديث نبوي صحيح؟!
وهل ثبَت عن الصحابة رضي الله عنهم العمل بذلك أو التصريح به؟!
وهل ثبَت عن أحدٍ من الصحابة ردُّ ما أخبره به أحدُهم من أحاديثَ نبوية، تتضمن أمورًا عقائدية؟
وهل فعل ذلك أحد من أئمة التابعين ومن بعدهم؟
ما من أحدٍ من الصحابة أو التابعين، أو أئمة الهُدى رَدَّ خبر الواحد الذي يتضمَّن أمورًا عقائدية؛ كانوا يتقبَّلون الخبر بالقَبول واليقين، طالما ثبَتتْ صحته.
وهذا ورد في نصوص كثيرة كأحاديث الرؤية -رؤية الله يوم القيامة- وتكليم الله، ونزوله في ثلث الليل الأخير كل ليلة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً"[15].
فمن الذي يُبلغ الآية؟
شخصٌ واحدٌ هو مَن يقوم بالتبليغ، وتقوم به الحجَّة على المُبَلَّغ، ويحصُلُ للمُبَلَّغ بذلك العلم، وادّعاء أنَّ العلم والحجة لا تقوم بإخبار المبلِّغ الواحد، فهذا يعني أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ليس له معنًى.
فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك.
وقد أرسل صلى الله عليه وسلم عليًّا، ومعاذًا، وأبا موسى رضي الله عنهم في أوقات مختلفة إلى اليمن؛ يُبلّغُون عنه؛ ويُعلِّمُون الناس الدين والعقيدة والأحكام.
وهذا دليلٌ قاطِعٌ على أنَّ العقيدة تَثْبُت بخبر الواحد، وتقوم به الحُجَّة على الناس، وإلا ما اكتفى صلى الله عليه وسلم بِشخصٍ بمُفْرَدِهِ، ولأرسل معه من يَتواتر به النقل.
ولذلك السلف أجمعوا على قَبول أحاديث الآحاد في العقائد، وإثبات صفات الرب تعالى، والأمور الغيبية بخبر الواحد.
ثم ما الفرق بين تسليمك لخبر الآحاد في الأحكام، ورفضه في باب العقائد؟
الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا هذا.
قال ابن القيم رحمه الله : "ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بحديث الآحاد؛ كما لا يمتنع إثبات الأحكام الشرعية بها، فما الفرق بين باب الشرع وباب الخبر، بحيث يُحتجُّ بها في أحدهما دون الآخر، وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تَزَل تَحتجُّ بهذه الأحاديث في الخَبَرِيَّاتِ، كما تَحتجُّ بها في أبواب الفقه، ولم يزل الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسُّنة يحتجُّون بهذه الأخبار في مسائل الصفات، والقدر، والأسماء، والأحكام، ولم يُنقل عن أحد منهم ألبتة أنه جَوَّز الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟"[16].
وتَرْكُ العمل بأحاديث الآحاد في العقائد هو تخطئةٌ للسلف في اعتقادها، واتخاذها دينًا، وتخطئةٌ لإجماع الأمة، ومخالفةٌ لسبيل المؤمنين، ويكفي بذلك فتنة في الدين.
فالأدلَّة لا تُحصى من الكتاب والسُّنة، وإجماع الصحابة وسلف الأمة، تدلُّ دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة، سواءً أكان في الأمور الاعتقادية أو الأمور العملية، وأما التفريقُ بينهما فبدعةٌ أحدثها أهل الأهواء من المبتدعة؛ ليردوا الأدلة التي تنقض بدعهم، ولم يُنقل عن أحد من سلف هذه الأمة أنه جوَّز الاحتجاج بحديث الآحاد في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، بل لا يُعرف خلاف في هذه المسألة عن أحد ممن يُعتدُّ به من أهل العلم.
قال الإمام ابن عبد البر في كتابه التمهيد: "وكلُّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جميع أهل السُنَّة"[17].
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : "وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّامِنُ: وَهُوَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى بِهَا، فَهَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ لَهُ أَقَلُّ خِبْرَةٍ بِالْمَنْقُولِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ هُمُ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَهِ الْأَحَادِيثَ وَتَلَقَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ رَوَاهَا، ثُمَّ تَلَقَّاهَا عَنْهُمْ جَمِيعُ التَّابِعِينَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، وَمَنْ سَمِعَهَا مِنْهُمْ تَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ لَهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهُمْ تَلَقَّاهَا عَنِ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ تَابِعُ التَّابِعِينَ مَعَ التَّابِعِينَ"[18].
وفي الواقع: فالقول بأن حديث الآحاد لا تثبُتُ به عقيدة، هو قول في حد ذاته عقيدة، فما هو الدليل على صحته؟
فإما أن يأتوا بالدليل القاطع المتواتر على صحة هذا القول، وإلا فهم مُتناقضون.
وبناءً على ذلك: فإنَّ ردَّ خبر الآحاد في العقائد منهجٌ بدعيٌّ يخالف إجماع أهل السنة والجماعة، وهو: "خرق لإجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام"[19].