ج: يستغلُّ دعاة الإلحاد القوامة، هذا الحقُّ الشرعي الفطري الثابت في تأليب النساء، وحثِّهِنَّ على التمرُّد، وهذا أسلوب في منتهى اللانزاهة.
لأن القوامة في الأصل من: فلان قائمٌ على العمل، أي: أنَّه هو المُطالب بإتمامه وإصلاحه، فالرجل قوامتُهُ تكليفٌ وليست تشريفًا.
فقوامته جعلها الله لمصلحة المرأة، فهو مسؤول عن حمايتها، وحفظ حقوقها، والدفاع عنها[1].
فما أعجبَ حال الملاحدة حين يجعلون قضية فيها عزٌّ للمرأة وسندٌ للمرأة شبهةً!
ويستغلُّ الملاحدة حالات خاصة لزوجٍ يُسيء قوامته، وثانٍ يظلم زوجته، وثالث يسيء وِلايته على أبنائه، ورابع يأكل حقوق أخواته، فيستغلُّون هذه الحالات ويضخمونها، ثم يقومون بعملية ربط زور بين هذه الحالات وبين حق القوامة الذي شرعه الله.
ولا يعرف دعاة الإلحاد أنَّه في الإسلام: مَن تعسَّف في استعمال حقٍ شرعيٍّ في غير ما أَذِن الله عز وجل فيه، يُنزَع منه هذا الحقُّ ويؤدَّب، فقد يَنزِع الإسلام حقَّ الوِلاية من الأب لما أساء استخدامها، ويعطيها القاضي لمن دونه لعمها أو لخالها وهكذا.
فكمال الرجولة، وكمال المروءة في الإسلام أن يحافظ الرجل على المرأة.
بل ويُقاتِل الرجل، ويُقتل من أجل حفظ المرأة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ومن قاتل دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ"[2].
فالقوامة مسؤولية وحِفظ ورعاية، شرعها الله بحكمته وعلمه ورحمته.
فالله يعلم حال الرجل، وحال المرأة، وطبيعة الرجل، وطبيعة المرأة، ويعلم سبحانه ما يُصلح أحوال الناس.
فالولاية مسؤولية من الرجل تجاه المرأة، ومثال ذلك:
الولاية في النكاح: حيث لا يجوز للفتاة أن تُزوِّج نفسها بغير إذن وليها، وهنا يُصور الملحد هذه المسألة كنوع من التضييق على المرأة، في حين أنَّ الأمر في حقيقته مسؤوليةٌ مُلقاة على عاتق الولي، حيث يحميها من ابتزاز شخص عديم الرجولة يريد أن يتزوجها في السر بدون علم أهلها، ثم يلقيها في الطرقات بعد أن ينال حظَّه منها، والولاية في النكاح كذلك؛ ليحميها الولي من أن يضيع حقُّها بعاطفتها، فيحفظ لها حقَّها الذي هي قد تغفل عنه لعاطفتها، فهي ربما تقبل التنازل عن كل حقوقها المالية من الزوج؛ لفرط تعلُّقها به، فوليُّها يحفظ حقها، ويضمن عدم استغلال الخاطب لها.
ولو نظر الملحد للولاية نظرة صحيحة عادلة لعلم أنها تضييقٌ على الرجل... تضييق على الخاطب، وليست تضييقًا على المرأة.
فوليُّها يضمن حقَّها، والخاطب يُلزَم من ولي الزوجة بأداء الحقوق لها، فالتضييق في الواقع على الرجل -على الخاطب- وليس على المرأة.
ثم إن المرأة في الإسلام لا تتزوَّج إلا بمن ترضى به، وإلا لانفسخ العقد، فأين التقييد في ولاية النكاح؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ"[3].
فوليُّها يُشرف ويُتابع حتى تصل حقوقها إليها.
فهل هذا تقييد أم زيادة صيانة لحقوق المرأة؟
ولو زوَّجها الولي بغير رضاها ينفسخ عقد الزواج فورًا، وكأنه لم يكن.
جاءَتْ فَتاةٌ إلى النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ، فقالَت: إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيهِ؛ ليرفعُ بي خسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، فقالَت: قد أجَزتُ ما صنَعَ أبي، ولَكِن أردتُ أن تعلَمَ النِّساءُ أن ليسَ للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ[4].
فما تُمضيه الفتاة يمضي، وما تفسخه يُفسَخ.
فوِلاية النكاح هي لحفظ حقوقها؛ ولضمان أن تُؤدَّى إليها الحقوق.
فهل في هذا ما يلام؟
وهنا قد يأتي سؤال: هل للرجل ولاية على مال المرأة؟
والجواب: هذه القضية لا وجود لها في الإسلام، فليس لرجلٍ على وجه الأرض وِلايةٌ على أموال المرأة، لا زوج، ولا أب، ولا أخ، ولا أحد.
فللمرأة مُطلق الحرية في أموالها تتصرَّف فيها حيث شاءت.
فما قدَّر الله وما شرع إلا ما هو خير وحكمة وعدل وكمال لكِ ولقلبكِ ولنفسكِ ولبيتكِ ولمستقبلكِ الدنيوي والأخروي.
إذن النطاق الذي تشمله قوامة الرجل لا يمسُّ كيان المرأة، ولا يمس كرامة المرأة، وإنما القوامة هي القيام بما في مقدور الرجل، وليس في مقدور المرأة أو تستحي منه المرأة.
أيضًا من صور القِوامة أن: يُؤَمِّن الوليُّ سفرَ المرأة؛ لئلا يؤذيها متحرش.
فهو يقوم عليها بالنفقة، أبًا وزوجًا، فالأب يكِدُّ ويسعى ويكافح من أجل توفير لقمة عيش كريمة لابنته، والزوج لزوجته.
أما المرأة فلا يلزمها من ذلك شيء، بل هي تعيش في بيتها كريمة عزيزة.
ولو لم يستطع أن ينفق عليها فهي شرعًا مُخيَّرةٌ بين أن تصبر عليه، وتتقي الله فيه، وبين أن تفارقه[5].
لقد كُلِّف الرجل بالقوامة حتى يحصُلَ للمرأة على حقها.
إذن فحيّز نطاق القوامة كما قلت هو في تحصيل الجوانب التي تعجز المرأة في الغالب عن تحصيلها بطبيعتها وضعفها.
فعَلاقة الرجل بالمرأة في الإسلام عَلاقة تكاملية فطرية طبيعية تراحمية.
لكن الثقافة الغربية الممسوخة جعلت العَلاقة بين الرجل والمرأة عَلاقة صراع، وعَلاقة تثوير للمرأة على الرجل، وعَلاقة تؤجَّج لإثبات دور المرأة في المجتمع، وكأن نجاح المرأة سيكون على حساب الرجل، أو أنَّ المكاسب التي تُحققها المرأة ستكون على حساب مكاسب الرجل، وهذا فهم بدائي مُتخلف لطبيعة العَلاقة بين الرجل والمرأة، فنجاح المرأة في غير ما حرَّم الله هو في الإسلام نجاح للرجل، وفرحة للرجل، وبهجة للرجل السوي.
فنجاح المرأة في غير ما حرَّم الله هو نصر للرجل، وخير للناس.
وكما أوجب الله على الرجل من الواجبات في حق المرأة ما أوجب: من النفقة، ومن الحفظ، ومن جلب حقوقها، ومن إحاطتها بالرعاية.
فقد أوجب الله في الناحية الأخرى على المرأة واجباتٍ: فعلى المرأة أن تُطيع زوجَها.
فهذا واجب شرعي على المرأة، أن تطيع زوجها، فهو رأس البيت.
فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ: مطيعات لله، حافظات لأزواجهن.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا صلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَتْ فرجَها، وأطاعَت زوجَها، قيلَ لها: ادخُلي الجنَّةَ مِن أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئتِ"[6].
يُنادَى عليها من أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانِيَةِ: تَكريًما وتَشريفًا.
فطاعة المرأة لزوجها في غير معصية الله واجبة.
هذا واجب شرعي.
وزوجها هو جنَّتُها ونارها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "انظري أين أنتِ منه؟ فإنَّما هو جنتُكِ ونارُكِ"[7].
فلو أدت حقَّه فهو سبب في دخولها الجنة، ولو لم تؤدِّ حقه فهو سبب في دخولها النار.
فللمرأة حقوق على الرجل.
وللرجل حقوق على المرأة.
وإذا أدَّى كل ذي حقٍّ حقَّه شاع الوئام والألفة والسكينة والاستقرار النفسي والأمان الأسري.
فالمجتمع رجل وامرأة، والمجتمع لا يُقسَّم ولا يُؤلَّب الرجل فيه على المرأة، ولا المرأة على الرجل، فهي عَلاقة تكاملية وليست صراعًا كما يحاول أن يفرض الغرب.
فالغرب والثقافة العلمانية الغربية تحاول أن تجعل العَلاقة بين الرجل والمرأة عَلاقة صراع وتثوير.
والذي أدَّى لمشاكل المرأة في العالم الإسلامي بجانب التأثُّر بالثقافة الغربية: انغماس بعض الرجال في الشهوات؛ ما أضعف من شخصيتهم، فظهرت حركات النسوية المتأسلمة، وظهرت حركات التمرُّد على القِوامة، وظهرت حركات التمرد على الوِلاية، وما ظهرت هذه الحركات الضالَّة إلا لضعف شخصية الرجل، وضعف قيادتِه.
فحين تعرف المرأة أن الرجل عبدٌ لشهواته وفواحشه التي يرتكبها، يصغُرُ في عينيها، فتبدأ في التمرُّد لو كان إيمانها ضعيفًا، وتبدأ في المطالبة ليس بحقوقها كما هو مفترض وإنما تبدأ في المطالبة بالتمرد الكامل.
وهذه هي المشكلة التي لا يفهمها كثير من الرجال: عندما يكون الرجل شهوانيًّا خاضعًا للفواحش، ولا ينشغل إلا بمصالحه، وعندما لا يوفّي للمرأة حقها، تبدأ المرأة -لو كان في دينها ضعف- في التمرد على كل شيء، فتحصل الفتنة والفساد العظيم.
فالنسوية ليست حركة تطالب بالحقوق، وإنما هي مشروع تمرُّد تام مكتمل الأركان، وهذا ظاهر من المطالبات النسوية، فهي تمثل تمردًا على كل شيء.
فضعفُ قيادة الرجل، وقلة رحمة الرجل، وبحث الرجل عن الفواحش، هذا يؤدي إلى تمرُّد المرأة، وإلى فساد المجتمع فعلًا.
فتمرُّد المرأة مصدره: ضعفُ قِوامة الرجل، وقلة إيمان المرأة.
لو عاد الرجل لكلكم راعٍ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا"[8].
ولو علم الرجل أنَّ الله سائلٌ كلَّ إنسان عن رعيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أحَفِظَ أمْ ضيَّعَ؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتِه"[9].
لو عاد الرجل لِما أوجب الله عليه من حقوقٍ، وعادت المرأة لما أوجب الله عليها من حقوقٍ لصلح حال الأمة، ولشعرت المرأة بأنوثتها الحقيقية.
فكمال أنوثة المرأة في قيام الرجل بحقوقه نحوها، وقيامها بحقوقها نحوه، هنا تشعر بكمال أنوثتها، فهذه فطرتُها التي جُبلَت عليها.
لو قام الناس بما أوجب الله عليهم، لاستقرت الدنيا، ولنام الجميع مطمئنين هانئين.
للأسف اختفى في كثيرٍ من البيوت: حُسن الخلق، وحسن المعاشرة، وحسن الاحتواء، والمودة والرحمة واللين والتغافل عن بعض الأمور: لَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ[10].
فما نحتاجه هو: الرجولة الحقيقية، والقِوامة الصحيحة، وغضُّ البصر عن النساء في الطرقات وفي الخلوات، فرجولة غض البصر هي درجة من درجات القِوامة.
فغضُّ البصر، والترفع عن المعاصي هذا يجعل منك رجلًا قيّمًا.
والرجل مِفتاح المرأة، ولو لم يَفِ الرجل بما عليه، ما استطاع أن يفهم المرأة ولما رضيت هي عنه.
وفي الناحية الثانية: فعلى المرأة أنْ تتحلَّى بالصبر على الرجل، فالفتن كثُرت على الرجال، وضغوط الحياة صارت صعبة، فلتغفر المرأة لزوجها، ولتصبر عليه، ولتكثر من نصحه وتذكيره بالله، والدعاء له.
ولتتقرَّب إلى الله بالعمل الصالح؛ لعل الله يصلح بيتَها، ويهدي أهلَها.
وليحذر الرجل من قلة الغَيْرة على أهل بيته، فلو قلَّت النخوة والمروءة والغَيرة وقلَّ اهتمام الرجل بأهله استرجلت المرأة وفُتنت لو كان في إيمانها ضَعف.
وإذا استرجلت النساء وإذا فتنَّ فكبِّرْ على الأمة أربعًا.
وما وجد الملاحدة ولا وجدت النسويات ثغرةً لشبهة يدخلون منها على بيوتنا بالإفساد، ونشر الخراب والفتن والشهوات، والتمرد على شرع الله، إلا باختفاء قوامة الرجل، وعدم أداء المرأة لحقوقها.
ما وجدوا الثغرة إلا بتقصيرنا، وما وجدوا الشبهة إلا بعدم تطبيقنا للقوامة بصورتها الصحيحة، وما تسلَّطوا علينا إلا ببُعدنا عن ديننا، وتعلُّقِ بعضِنا بثقافات وسلوكيات غربية لا تنتمي بشيء إلى دين ربنا.
لقد أدَّى الإلحاد والنسوية إلى خراب منظومة الأسرة في الغرب، وهم يتوجَّهون الآن إلينا بقوة، يتوجَّهون إلينا بما هم فيه من خراب أخلاقي مرعب، يكفيك أن تعلم أنَّ احتمالية قتل الجنين في الغرب اليوم تصل إلى 50% لأنَّها أجنَّة غير مرغوب فيها، والدساتير الغربية كما قلت تُشرِّع ذلك ولا تمنع منه.
والأطفال الذين ينجون من القتل يُعاني أغلبهم بعد الولادة من فقدان الأب؛ لأنهم أبناءُ غير شرعيين.

فعلى المستوى الأسرى والعائلي يعيش الغرب اليوم بسبب النظرة المادية الإلحادية والنسوية أتعسَ أيام حياته.
فما ترك الناس من أمر الله شيئًا إلا أحوجهم الله إليه، وعانَوا ولم يجدوا طريقًا إلا بالرجوع إليه.