الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 22

لماذا نعبد الله وهو لا يحتاج إلينا؟

ج: فكرة أن الحاجة يقابلها العبث هي فكرة سخيفة!

فالحاجة يقابلها الحكمة لا العبث.

فالطبيب الثري صاحب الصيت الطيب قد يعالج الناس دون أن يحتاج منهم شيئًا، بل يعالجهم لمصلحتهم هم، وهنا نحن لا نصف فعله بأنه عبث!

فالحكمة والمقصد العظيم من وراء الفعل لا يدوران في حلقة الحاجة/العبث!

وقد يُنقذ أحد السبَّاحين طفلًا رحمةً به، ثم يتركه ويذهب دون انتظار ثناء أهل الطفل، وهنا فعله لا يُصنف بأنه حاجة ولا عبث، بل هذا فعل كريم، ومقصد نبيل، وخُلُق طيب!

فلا تلازم بين الاحتياج وبين العبث![1]

وفي صحيح مسلم في الحديث القدسي قال الله تعالى: "يَا عِبَادِي، لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ، ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، إنَّما هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ، فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ"[2].

فالله غنيٌّ عن العالمين، وما نقوم به من عمل يعود نفعه وخيره أو ضرره علينا نحن.

فما سعيُنا وجهدُنا وعملُنا إلا لأنفسنا: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].

ونحن نعلم بأنَّ لله حكمة في كل خلقه وإن جَهلناها، وجهل المريض بحكمة الطبيب لا يعني أن قرارات الطبيب عبثية.

فالعلم بالحكمة الإلهية لا يلزم له فهمُ كل أبعاد الحكمة، وإنما يكفي فهم بعضها ومعرفة وجودها!

فيكفي أنْ نعلم أننا مُكلفون، وأنْ نعلم التكليف ولوازمه، وأن نعلم وجود الحكمة الإلهية، فهذا يكفينا من حيث الجملة، وإلا نكون كالذي يكفر وينكر كل ما لا يفهمه: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39].

فالله حكيمٌ، وخلقنا لحكمةٍ سبحانه.

وهو وحده الذي يستحق أن يُعبد.

فلا يستحقُّ العبادة إلا الله، فهو الخالق الذي أوجدنا من العدم، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].
وهو الذي هدانا وهو الذي شرع، وقدَّر، وأمر، ونهى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].

فليس له الخلق فقط، وإنما له الأمر أيضًا، ونحن نأتمر بأمره سبحانه.

إذنْ فالعبادة هي حقُّ الله على عباده، فهو سبحانه الذي فطرنا وأحيانًا ورزقنا وهدانا وأرسل إلينا رسله؛ ليختبرنا وليبلونا مَن مِنّا أحسن عملًا، فالعبادة هي حقُّ الله علينا: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [المُلك: 2].
ولا تستقيم حياتنا وآخرتنا إلا بالعبادة، ولا تنصلح أخلاقنا إلا بها، فالعبادة تنهى عن الفواحش والمنكرات، وتَصلُح بها دنيا الناس، قال ربنا تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].

ولا نفوز بالجنة إلا بالعبادة، فهي النجاة في الآخرة، والهناءة في الدنيا.

فالعبادة لنا نحن، ولخيرنا نحن، وهي واجبة علينا تجاه الله عز وجل ؛ لأنه خالقنا، ونَفْعُها يعود علينا نحن فقط، والتقصير فيها يعود أيضًا علينا نحن فقط.

والجنة غالية، فمن يُرد الجنة يعملْ لها، فنحن المحتاجون إليه سبحانه... المحتاجون لعبادته... المحتاجون لجنته... المحتاجون لرحمته... المحتاجون لنعمه، وهو الغني عنَّا وعن كل خلقه.

المراجع

  1. 1 ظاهرة نقد الدين في الفلسفة الحديثة، د. سلطان العميري، رسالة دكتوراه.
  2. 2 صحيح مسلم، ح:2577.
التالي → 23 - هل الاستدلال على الخالق هو استخدام لأدلة الخبرة البشرية؟ ← السابق 21 - لماذا التكليف من البداية؟