الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 40

هل نقلَ الإسلام قصة ذي القرنين من النسخ السريانية؟

ج: تحكي النسخ السريانية كثير من بطولات الإسكندر الأكبر وملاحمه، والتي تشبه في بعض صورها قصة ذي القرنين في القرآن الكريم.

فيأتي الملحد ويربط بين هذه الروايات السريانية وبين قصة ذي القرنين في القرآن الكريم، ويدَّعي أن القرآن نقل هذه القصة من النسخ السريانية.

وهذه واحدة من أغرب الشبهات التي تسمعها يومًا من ملحد.

لأن هذه النسخ السريانية عن الإسكندر الأكبر وملاحمه، ظهرت بعد ظهور الإسلام، وكُتبت في حاضرة الإسلام، وفي ظلال الإسلام.

فكيف ينقُلُ القرآن منها، وهي كُتبت بعد ظهور الإسلام؟

وهذه النسخ السريانية عن الإسكندر الأكبر تمَّت ترجمتها من السريانية إلى الإنجليزية منذ حوالي 150 عامًا، حيث قام بترجمتها المؤرخ العالمي إرنست واليس بَدج Ernest Wallis Budge، وقام بَدج أيضًا بتأليف عدة كتب في سيرة الإسكندر الأكبر.

فهو تقريبًا من أكبر المتخصصين في هذا الباب.

وقد حاز إرنست واليس بَدج على لقب فارس من الإمبراطورية البريطانية؛ لجهوده العلمية.

وكان يعمل رئيسًا للأقسام الآشورية السريانية في المتحف البريطاني.

يُقرر إرنست واليس بَدج أنَّ هذه النسخ السريانية عن الإسكندر الأكبر، جاءت من وحي الثقافة العربية، وبتأثير الإسلام، فهو المتخصص الأشهر تقريبًا في هذا المجال يُقرر أن هذه النسخ السريانية كُتبت بتأثير الثقافة الإسلامية، فيقول: لذلك نجدُ أنَّ هذه النسخ السـريانية مـأخوذةً عـن اللغة العربية، وليس عن اليونانية والتي هي مصدر الروايات الأصلية عن الإسكندر الأكبر.

فاليونانية هي مصدر ملاحم الإسكندر، لكن نجد النسخ السريانية منقولة عن العربية وليس عن اليونانية؛ ولذلك تجد أسـماء الأعــلام اليونانية في الرواية السريانية مرســومةً كمــا تُنطَــق فــي العربيــة، فالاسم اليوناني: نكتــانبوس Nectanebus يُنطق في العربية: نقطيبوس، وهنا يأتي الكاتب السرياني لينقلها من العربية: نقطيبوس بياء بـدلًا مـن النون، وهذا يجري على كل أسماء الأعلام اليونانية.

ثم يختم بَدج كلامه فيقرر أنَّ هذه النسخ السريانية مكتوبةٌ في حاضرة بلاد العرب، ومأخوذة من نصوص عربية بعد الإسلام[1].

فهذه النسخ السريانية كتبها شخص سرياني مسيحي، عاش في بلاد الإسلام في ظل الخلافة العباسية في القرن العاشر الميلادي تقريبًا، وهذا كلام إرنست واليس بَدج.

ويؤكد بَدج أنَّ: كاتب هذه الرواية السريانية خلط في هذه الرواية بين قصص الإسكندر الأكبر وبين الثقافة الإسلامية عن ذي القرنين وبين المسيحية.

إضافةً إلى ذلك، فالنسخ السريانية مليئة بالخرافات، حيث يظهر فيها الإسكندر الأكبر كشخص مُبشِّر بالمسيحية[2].

تخيَّلْ أن الإسكندر الأكبر الذي ظهر قبل المسيح عليه السلام بثلاثة قرون يأتي في هذه الرواية السريانية كشخص مبشر بالمسيحية.

وفي المجمل فهذه رواية كُتبت في بيئة عربية، وتحت تأثير الثقافة الإسلامية، ثم يأتي ملحد ليفتري الكذب على دين ربنا، وكتاب ربنا، ويتهم نبيَّنا صلى الله عليه وسلم ويقول لنا: إنَّ القرآن نقل من هذه الرواية السريانية، وليس أنَّه من عند رب العالمين.

لكن قد يسأل سائل ويقول: ما هو سرُّ التقارب بين الملحمة السريانية وبين بعض آيات سورة الكهف؟

والجواب أنَّ: ذاك السرياني المسيحي قد يكون نقل أشياء من القرآن في روايته.

لكن هناك في الواقع فضيحة في هذا الموضوع، وهي أنَّ مستشرقًا حاقدًا على الإسلام يُدعى منجانا Mingana، هذا المستشرق أتى لترجمات إرنست واليس بَدج الإنجليزية للنص السرياني وأضاف ترجمة إنجليزية لبعض الآيات القرآنية من سورة الكهف إلى الملحمة السريانية[3].

تخيل ماذا فعل!

يُضيف إلى ترجمة إرنست واليس بَدج ترجمة إنجليزية لبعض الآيات من سورة الكهف، ثم يوحي للغربيين أن هذه الرواية السريانية كُتبت قبل الإسلام، وأنَّ القرآن نقل منهم.

أسلوب من أعجب ما يكون في المكر والدهاء والكذب.

وأنا أتعجَّب: كيف اقتنع الملحد الذي يثير مثل هذه الشبهة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرعى الغنم بمكة، كان يستمع للصلوات السريانية التي تُتلى في كنائس آشور؟

ثم كيف نَسَب قصة ذي القرنين القرآنية لملحمة سريانية مكتوبة بعد نزول القرآن بثلاثة قرون تقريبًا؟

لا يستطيع اليوم باحث متخصص في موضوع النسخ السريانية عن الإسكندر الأكبر، أن يقول: إنَّ هذه النسخ كُتبت قبل ظهور الإسلام.

وهذا كما قلت؛ لأنها مكتوبة من ظلال ثقافة عربية.

لكن هناك نقطة أخطر بكثير...

وهي أنَّ هذه النسخ السريانية ورد فيها: غزو أرمينيا من قبل الخَزَر، وقد وقع هذا الغزو في عام 629 ميلادية[4].

أي: في آخر العهد المدني في آخر عصر النبوة... وسورة الكهف بلا خلاف مكية.

فحين يُذكَر في هذه النسخ السريانية أحداث غزو أرمينيا، إذنْ هذه النسخ بلا خلاف كُتبت بعد عام 629 ميلادية.

والعجيب أيضًا في هذه النسخ السريانية أنها تتحدَّث عن مقتلة عظيمة ستحصل في آخر الزمان بين الهون the Huns وبين العرب[5].

والسؤال هنا: هل كان للعرب وجود في العالم قبل الإسلام أصلًا؟

فلو تخيلنا أنَّ هذه النسخ السريانية كُتبت قبل الإسلام بزمن طويل، ففي ذاك الزمن لم يكن للعرب وجود حقيقي، وإنما كانوا مجموعة قبائل صغيرة متناثرة في شبه الجزيرة العربية.

لكن النسخة السريانية تتحدَّث عن مملكة العرب، وحصول ما هو يشبه حربًا عالمية في آخر الزمان يكون العرب أحد أطرافها.

إذن بالبداهة فهذه النسخ كُتبت في زمن كان للعرب فيه صَوْلة وجَوْلة، وكانوا فيه أُمَّة عظيمة في العالم... لهم وجود وتأثير في الساحة العالمية.

وهذا النص من النصوص التي جعلت الباحثين يؤكدون أنَّ هذه النسخ مكتوبة في ظل الخلافة العباسية في القرن العاشر الميلادي تقريبًا حيث كان للمسلمين صولة وجولة في العالم كله.

ولذلك حتى المستشرقين المتعصبين المعاصرين مثل: كيفن بليــدل Kevin Blaidel يعترفون اليوم أنَّ هذه النسخ السريانية كُتبت بعد ظهور الإسلام[6].

فلم يعد أحد من المنصفين للتاريخ يكرر افتراءً منجانا ومَن نحا نحوه.

بل ويعترف الباحث في النسخ السريانية ويلر Brannon M. Wheeler أن قصة ذي القرنين في النسخة السريانية مُقتبسة من القرآن مباشرةً، وأنَّ لفظ ذي القرنين هذا اللفظ "ذو القرنين" دخل إلى النسخ السريانية من خلال تأثير القرآن والثقافة الإسلامية[7].

المراجع

  1. 1 The history of Alexander the Great, being the Syriac version of the Pseudo-Callisthenes, Introduction, Plx, lxi.
  2. 2 Ernest Alfred Thompson Wallis Budge: The life and exploits of Alexander the Great, being a series of translations of the Ethiopic histories of Alexander by the Pseudo-Callisthenes and other writers, Preface, Pxi.
  3. 3 تفسير القرآن بالسريانية، د. بهاء الأمير، ص 168.
  4. 4 An ex eventu knowledge of the Khazar invasion of Armenia in A.D. 629S. Gero, "The Legend Of Alexander The Great In The Christian Orient", Bulletin Of The John Rylands University Library Of Manchester, 1993, Volume 75, p. 7.
  5. 5 The kingdoms of the Huns and the Persians and the Arabs The Pseudo-Callisthenes, pp. 155.
  6. 6 Kevin Van Bladel, ‘The Alexander Legend in the Qur’an 18:83–102’ in The Qur’an in its Historical Context, ed. Gabriel Said Reynolds (New York: Routledge, 2008).
  7. 7 "A more discerning examination of the different texts show that the later recensions of the Alexander stories are dependent upon the Qur'an as understood through the medium of early Muslim commentators. Key elements of the later stories, such as the appellation of "Dhu al-Qarnayn" attributed to Alexander owe their origins to the commentaries. A closer analysis of the commentaries on Q 18:60-82 shows the development of an increased association of Q 18:60-82 and 83-102 with Alexander stories. This recognition makes it possible to obtain a fresh understanding of the reconstruction of the history of the later recensions of the Alexander stories." B. M. Wheeler "Moses Or Alexander? Early Islamic Exegesis Of Qur'an 18:60-65", Journal Of Near Eastern Studies, 1998, op cit., p. 214.
التالي → 41 - لكن كثيرًا من الشبهات تُثار حول القرآن والسريانية، وأنَّ الل ← السابق 39 - لماذا هناك أجنحة للملائكة في الفضاء؟