ج: قرنا الإسكندر الأكبر هذه تُسمى قرون تأليه.
حيث يرسمون هذه القرون للملوك الذين يتمُّ تأليههم، وتكون هذه القرون المرسومة والمنحوتة على التماثيل بحجم صغير على جانبَي الرأس.
وهذه القرون نفسُها توجد عند كثير من الملوك القدماء.

مثل هادريان:
كذلك بطليموس الثاني:

فهناك عدد كبير من الملوك تميَّزوا بقرون التأليه هذه في التماثيل والعملات التي صُممت لهم:


لكن كان هناك مَلِك آخر متميز جدًّا بقرنَينِ عظيمَينِ.
متميز بقرنَي عظمة المملكة، وعظمة الفتوحات شرقًا وغربًا.


وهذا المَلِك اسمه كورش، وهذه القرون لا تشير إلى تأليهه، وإنما تشير إلى فتوحاته في شرق الأرض وغربها.


وهنا السؤال: هل كورش هو ذو القرنين الذي ورد في القرآن الكريم؟
إذنْ أهل الكتاب يعرفون شخصية ذي القرنين!
فذو القرنين مذكورٌ في كتابهم المقدس، فقد ورد في سفر دانيال: "فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَرَأَيْتُ وَإِذَا بِكَبْشٍ وَاقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ وَلَهُ قَرْنَانِ وَالقَرْنَانِ عَالِيَانِ، وَالْوَاحِدُ أَعْلَى مِنَ الآخَرِ، وَالأَعْلَى طَالِعٌ أَخِيرًا"[1].
وهذا الشخص ذو القرنين هو بالاتفاق عند أهل الكتاب: الملك كورش.
لكن لماذا لا يكون الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين؟
والجواب: لأن الإسكندر الأكبر وثنيٌّ بلا خلاف.
فهو شخصية وثنيَّة.
بينما ذو القرنين في القرآن الكريم رجل صالح!
أيضًا قرنا الإسكندر الأكبر هما قرنا تأليه، وليسا قرون مملكة.
بينما قرنا كورش هُما قرنا اتساع المملكة شرقًا وغربًا.
أضفْ إلى ذلك أنَّ معارك الإسكندر الأكبر كانت جهة الشرق لا الغرب، بينما كانت فتوحات ذو القرنين في القرآن الكريم في شرق الأرض وغربها.
وهذا كله يؤكد أنَّ ذا القرنين ليس هو الإسكندر الأكبر.
لكن هل كان كورش شخصًا صالحًا؟
الكتاب المقدَّس يُسمّي كورش بـ "مسيح الرب"، فهو شخصية عظيمة.
يقول الكتاب المقدس: "هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ لِمَسِيحِهِ لِكُورَشَ الَّذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ أَمَامَهُ أُمَمًا، وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ، لِأَفْتَحَ أَمَامَهُ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَالأَبْوَابُ لَا تُغْلَقُ".

لِأَفْتَحَ أَمَامَهُ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَالأَبْوَابُ لَا تُغْلَقُ، أي: سيفتح كورشُ بلادَ الأرض شرقًا وغربًا بتأييد من الله، كما يقرر الكتاب المقدَّس.
وقد يكون كورش أحدَ الأحناف، أو من أتباع زرادشت على الديانة التوحيدية قبل أن تُحرَّف، والله أعلم.
ومن المعلوم أن كورش هو الذي أعاد اليهود، ودفع الأموال لبناء الهيكل، وأعاد لليهود أموالهم التي كانت منهوبةً في خزائن بابل.
فقد كان كورش فاتحًا عادلًا ينشُرُ العدل والخير في بلاد الأرض، وكان كلما ظهر على قومٍ عفا عنهم، وأكرم كريمهم، ورحِم ضعيفهم[2].
أمور كثيرة جدًّا تُرشح أنْ يكون كورش هو بالفعل ذو القرنين.
والعلم عند الله عز وجل ، وهذا محضُ اجتهاد لبعض الباحثين، لكنه اجتهاد قوي وله أدلَّته.