الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 49

هل الإسلام يميز بين الحر والعبد؟ وبين الحُرَّة والأَمَة؟

ج: نعم! الإسلام يميز بين الحر والعبد.

ويُميّز بين الحرة والأمة.

لأنَّ الأَمَةَ في الأصل إنسانة مجرمة اشتركت في جيش العدو تريد قتل المسلمين، فهذا مصدر الإماء الوحيد في الإسلام.

حيث لا تؤخذ الإماء إلا من أرض معركةٍ يُقاتل فيها الكفارُ المسلمين[1].

وبعد أن يُؤخذن من أرض المعركة، فللحاكم المسلم أنْ يَرُدَّهُنَّ لجيش العدو بلا مقابل، أو يردهن مقابل أسيرات مسلمات عند العدو.

قال الله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4].

(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ} ، أي: يمتنُّ الحاكم على الإماء بأن يردهن إلى جيش العدو بدون مقابل.

(وَإِمَّا فِدَاءً} ، أي: يردهن الحاكم المسلم مقابل الأسيرات المسلمات.

(حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} ، أي: أنَّ هذه الأمور لا تكون إلا في أرض معركة.

إذنْ فالسبي والإماء والعبودية هذه الأمور تكون في مقابل القتال.

فالسبي هو نتيجة جريمة قتال المسلمين.

فالمَسْبيَّة أو الأَمة أو مِلْك اليمين هي في الأصل إنسانة مجرمة، لكن لكونها ضعيفة فهي لا تُقاتَل.

ففي أرض المعركة لا يجوز مباشرة قتال المرأة؛ لأنها في الأصل ضعيفة، وليست أهلًا للقتال، فهنا يأتي السبي، فالسبي عقوبة في مقابل القتال... لكنها عقوبة مخفَّفة رحمةً بطبيعة المرأة.

وبناءً على ذلك نفهم أنَّه من الطبيعي أن يكون هناك تمييز بين الحرة والأَمة.

فالحرة إنسانة مسالمة؛ سواءً كانت مسلمة أو غير مسلمة، أما الأَمَة ففي الأصل هي إنسانة اشتركت في قتال المسلمين، فهي ارتكبت جُرمًا عظيمًا بحق أمة من الناس.

ومع ذلك هي لا تُقاتَل رأفةً بضعفها الجبِلِّي.

فإذا أتى جيش من الكفار لمحاربة المسلمين، فإن رجال الجيش الكافر يُقاتَلون، أما نساء الكفار في ساحة المعركة فإنهن لا يجوز أن يُقتلن، مع أنهن أتينَ في ساحة المعركة، ويردن استئصال شأفة المسلمين، ومع ذلك لا يجوز في شريعة الإسلام قتال لا المرأة، ولا الصبي، ولا الشيخ الكبير، ولا أصحاب الصوامع، ولا العمال، ولو كانوا في ساحة معركة مع الكافرين.

لأن هؤلاء جميعًا ضعفاءُ، وليسوا أهلًا للقتال.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما كانت هذه لِتُقاتلَ، وبعث رجلًا يقول لخالد بن الوليد: لا يقتُلنَّ امرأةً ولا عسيفًا"[2].

العسيف: العامل أو الأجير.

فالمرأة لا تُقاتَل، وهذا عليه إجماع المسلمين.

فقد أجمع المسلمون على حرمة قتل نِساء وصبيان الكفار المحاربين[3].

لكن قد يقول ملحد: استطاعت الدساتير العلمانية المعاصرة منع الرق.

ويعتبر أنَّ هذا أفضل، وهذا من قِصَر نظر الملحد.

فالإسلام منع العبودية والرقَّ تمامًا من كل الطرق قبل أن يمنعها الغرب
بـ 1200 عام.

فالإسلام سبق الغرب في تجريم العبودية، ومنعها بكل صورها.

ولم يُبقِ الإسلام إلا على باب الرق من أرض المعركة.

وهنا قد يقول الملحد نفسه: لكن الغرب أنهى باب الرق حتى من أرض المعركة.

والجواب: هذه صراحةً ليست مزيَّة، فالغرب لا يُفرق بين رجل وامرأة في ساحة المعركة.

وهناك مبدأ معروف في الغرب: في ساحة المعركة، اقتُلْ كل شيء يتحرك.

Kill Anything That Moves

لكن الإسلام ليس هذا منهجه أبدًا.

فكل مَن كان في ساحة المعركة من الكفار الحربيين، لكنَّه ليس من أهل مباشرة القتال، فإنه لا يُقاتَل، مع أنه في ساحة المعركة لكن لكونه ضعيفًا فلا يُقاتَل.

قال الكاساني في بدائع الصنائع: "أما حال القتال فلا يحلُّ فيها قتل امرأة، ولا صبي، ولا شيخ فانٍ، ولا مُقعَد، ولا يابس الشق، ولا أعمى، ولا مقطوع اليد والرِّجْل من خلاف، ولا مقطوع اليد اليمنى، ولا معتوه، ولا راهب في صومعة، ولا سائح في الجبال..."[4].

فالإسلام لا يقبل أن يُقتل إنسان حتى ولو جاء لقتالنا طالما أنه ليست لديه القدرة على مباشرة القتل.

وهنا يظهر السؤال التالي والمهم: هل معنى هذا أن نظلم السبايا والعبيد بعد أخذهم من أرض المعركة؟

والجواب: هذا ممتنعٌ في الشريعة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح مسلم: "مَن لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ"[5].

فضربة واحدة للملوك تساوي حريته فورًا.

وفي الحديث المتفق على صحته عن السبايا قال صلى الله عليه وسلم : "جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ ممَّا يَأْكُلُ، ولْيُلْبِسْهُ ممَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فأعِينُوهُمْ"[6].

لكن قد يسأل سائل فيقول: وإذا رفض إنسان أن يظلَّ في السبي فماذا يفعل؟

والجواب: قد يرُدَّهُمُ الحاكم بدون مقابل كما قلنا، وقد يرفض أن يردهم إلى بلادهم وهذا حقُّه، وفي هذه الحالة الثانية في حالة أنه رفض أن يردهم هنا: من الممكن بسهولة أنْ يحصل المملوك والمملوكة على حريتهم بـ: "المكاتبة".

حيث تتمُّ مكاتبتهم بأن يدفعوا قسطًا من المال، ويصبحون به أحرارًا، وهذا طبيعيٌّ في حق مَن أتى ليقاتلك، فبعد أن يُسبى يفدي نفسه بالمال ليصبح حُرًّا.

لكن العجيب في الإسلام، ومن رحمة هذا الدين أنه يوصي بأن نعطي العبيد من أموالنا بحيث يصبحون أحرارًا، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].

(فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}: نؤتيهم من المال، وهذا في حق مَن أتى لقتالنا.

تخيل!

بل والأعجب أنَّ الإسلام يحضُّ على تزويجِهم.

نعم تزويجهم؛ ليعيشوا حياة مستقلَّة كريمة سويَّة نفسيًّا.

قال الله عز وجل : {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32].

فهذا نظام موازٍ لنظام التبني.

تبني لمن؟

لمن اشتركوا في قتال المسلمين وحربهم.

هل هذه الجمالية وهذه الرحمة في الإسلام في معاملة من أتى لقتال المسلمين توجد اليوم في أي ميثاق عسكري على وجه الأرض؟

الإسلام يُسطِّر أروع نماذج الكرم والجمالية.

فيزوج العبيد، ويدفع لهم المال، ومن أوذي من العبيد يصبح حُرًّا.

لكن قد يسأل سائل: أين هذه الأمور على أرض الواقع في تاريخ الإسلام؟

والجواب: أنَّ طارح مثل هذا السؤال ربما لم يقرأ في التاريخ الإسلامي جيدًا.

فالعبيد لم يُزوَّجوا، ولم يُدفع لهم المال، ولم يُكرَموا فحسب، بل صاروا حُكامًا في بلاد المسلمين، ولم يكن هذا أمرًا غريبًا بحيث نتحدَّث عنه كما حصل في أمريكا حين وصل رئيس أسود -باراك أوباما- للحكم فيها، بل لم نهتمَّ بالأمر لتكراره كثيرًا وبصورة طبيعية.

ففي مصر وصل المماليك -العبيد- للحكم، وظلوا حكامًا لمئات الأعوام، وكان فيهم رئيس الدولة، وقائد الجيش، والوزراء، وكبار القادة، كلهم كانوا من المماليك، فهذا الأمر كان على أرض الواقع منذ مائتي عامٍ فقط.

وقد حكم المماليك مصر لستة قرون كاملة، أي: أنَّ نصف تاريخ مصر في الإسلام حكمه مماليك.

وقد حكموا الكثير من بلاد المسلمين كالشام والعراق والحجاز.

ففي الإسلام حين تلقى العبيد هذا الإكرام وأصبحوا أسوياء نفسيًّا، ولم يتحولوا لمرضى نفسيين كما يحصل مع ضحايا الحروب العلمانية في هذا العصر، تَحوَّل كثير منهم؛ نتيجةً لهذا الإكرام إلى الإسلام، وصار بعضهم بعد وقت حكامًا، وصار بعضهم أئمَّة في هذا الدين.

فابن سيرين كان مولًى، ومجاهد والحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير كل هؤلاء كانوا من العبيد.

ففي ظلال الشريعة الإسلامية، صار العبيد أصحاء نفسيًّا فظهر منهم الأئمة والرؤساء وقادة الجيوش.

فالمعاملة الإسلامية الحكيمة في موضوع العبيد أدَّت لدخول كثيرين منهم في الإسلام، بل وكانوا يفدون الإسلام بأرواحهم، وهذا من حِكم الرق في الإسلام، فالرق أتاح للرقيق أن ينظروا إلى عجائب رحمة وحكمة هذا الدين، وينظروا منارات الإسلام، وكان هذا أدْعى لدخولهم في الإسلام.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : "عَجِبَ اللَّهُ مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ"[7].

فقد وجدوا الإسلام يحترم إنسانيتهم، ويؤتيهم من المال ما يُعينهم على الحرية، بل ويزوجهم، وهم في الأصل يستحقون أشدَّ العقوبة، فعلموا أنهم أمام دين مميز، ووحي فريد فأسلموا.

فالرقيق في الأصل دخلوا بلاد المسلمين بعد المعارك مقيَّدين في السلاسل، لكن لما رأوا منارات هذا الدين أسلموا.

وقد حضَّ الإسلام على تحرير العبيد، وجعل تحرير العبيد طريقًا لدخول الجنة: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11- 13].

فتجاوز عقبة مشقَّة الآخرة، ودخول الجنة، يكون بفك الرقاب - تحرير العبيد.

فهذه هي شبهة العبودية والسبي وملك اليمين، وهي أشهر شبهة يُثيرها دعاة الإلحاد والعلمانية في العصر الحديث ضد الإسلام.

المراجع

  1. 1 فضاءات الحرية، د. سلطان العميري.
  2. 2 السلسلة الصحيحة، م2 ص314.
  3. 3 مراتب الإجماع (ص201). شرح صحيح مسلم (12/48). الصارم المسلول (2/253). فتح الباري (6/147).
  4. 4 بدائع الصنائع، الكاساني، م 9 ص 392.
  5. 5 صحيح مسلم، ح:1654.
  6. 6 صحيح البخاري، ح:2545.
  7. 7 صحيح البخاري، 3010.
التالي → 50 - لكن ماذا عن سبايا أوطاس؟ وهل أجاز الإسلام وطء السبايا؟ ← السابق 48 - هل توجد آيات قرآنية أحكامُها منسوخة؟