الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 50

لكن ماذا عن سبايا أوطاس؟ وهل أجاز الإسلام وطء السبايا؟

ج: في البداية فقصَّة سبايا أوطاس كانت حين سيَّر مالكُ بنُ عوف جيشًا؛ لمحاربة المسلمين وقتالهم في عام 8 هجرية، وجرت بسبب ذلك غزوة حُنين.

وكان في أعقاب هذه الغزوة سريَّةُ أوطاس حين تحصَّنت بعض فِرَق جيش مالك بن عوف بمِنْطقة تُسمَّى أوْطاس، فجرت معركة أوطاس، وانتصر فيها المسلمون، وأُسر من أرض المعركة كثيرٌ من السبايا والغنائم.

فهذا ما كان من سرية أوطاس.

أما عن جواز وطء السبايا.

فما أُبيح وطءُ السبايا إلا بعد إسلامهنَّ.

فالإسلام يبيح وطء السبي بملك اليمين فقط في حال أنهن أسلمْنَ أو كُنَّ أهل كتاب.

ولو لم تسلم المسْبيات أو تَكُنَّ من أهل الكتاب فلا يجوز وطئهن.

فالمرأة المشركة باتفاق جماهير أهل العلم، وبإجماع الأئمة الأربعة: مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي، لا يجوز وطؤها.

قال ابن قدامة في المغني: "مَن حرُم نكاح حرائرهم من المجوسيات وسائر الكوافر سوى أهل الكتاب لا يُباح وطء الإماء منهنَّ بملك اليمين"[1].

وقال ابن عبد البر: "على هذا جماعةُ فقهاء الأمصار وجمهور العلماء وما خالفه فشذوذ"[2].

وقال النووي: "المسْبية من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحلُّ وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فما دامت على دينها فهي محرَّمة"[3].

مشكلة دعاة الإلحاد أنهم يُصورون مسألة السبي وملك اليمين كأنها شهوة مجرَّدة، فالمسلمون يسبون النساء للوطء هكذا يصورون المسألة.

ولو كان الأمر شهوةً كما يُصورون، ما حَرُمَ وطء المشركة.

وأغلب سبايا العرب كُنَّ من المشركات.

فإذا كان الأمر شهوة مجردة فلماذا يُحرِّمُ الإسلام وطء المشركات؟

بل الأعجب أنَّه إذا قام أحد المسلمين باغتصاب مسبية؛ سواءً كانت مشركة أو غير مشركة أُقيم عليه حد الزنا[4].

لكن كيف يُبيح الإسلام وطء المسبية الكتابية أو التي أسلمت؟

والجواب: أنَّ المسبية لها صورة عقد نكاح، تختلف عن عقد نكاح الزوجة، فالزوجة لها شرط الاختيار فيمن يتقدَّم لها، أما امرأة مقاتلة جاءت مع جيش العدو وتمَّ سبْيها فهذه ليس لها شرط اختيار من يتقدَّم لها.

وهنا يأتي سؤال: كيف أباح الإسلام وطء سبايا أوطاس، وقد كُنَّ وثنيات؟

والجواب: ما أُبيح وطئهن إلا بعد إسلامهن.

ففي البخاري أنَّ وفد هوازن أسلموا -هوازن هم أهل أوطاس- فقد أسلموا، وفي مرحلة تالية ردَّ إليهم النبي صلى لله عليه وسلم السبايا، فقد عاد سبي أوطاس إلى أهاليهنَّ[5].

قال الإمام النووي رحمه الله : "اعلمْ أن مذهب الشافعي ومَن قال بقوله من العلماء، أن المسْبيَّة من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فما دامت على دينها فهي محرَّمة، وهؤلاء المسبيات -سبي أوطاس- كنَّ من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيؤول هذا الحديث وشبهُه على أنهن أسلمْنَ، وهذا التأويل لا بد منه"[6].

وقد يقول قائل: لو أنَّ امرأةً رفضت الوطء والسبي في المجمل، فماذا تفعل؟

والجواب: هذه كما قلنا تُكاتَب، والمكاتبة بأن تدفع قسطًا زهيدًا من المال، مقابل تحرير نفسها، وهذا طبيعيٌّ في حق مَن أتتْ لتقاتِلك أنها بعد السبي تُفدي نفسها بالمال لو أرادت أن تصير حرَّة، ومع دفع أول قسط لا يجوز للرجل أن يقترب منها.

وقد يرد سؤال هنا: ومَن تتردَّد في أن تفدي نفسها؟

والجواب: منظومة التشريع الإسلامي الشاملة والحكيمة وفَّرت نموذجًا يرى فيه العبيد أنهم أكثر حريةً مما كانوا عليه في بلادهم.

فالمسبية يجب على الرجل أن يوفر لها بيتًا مستقلًّا كالزوجة كما قال الأحناف.

ويجب على الرجل أن يُنفق عليها، وأن يُطعمها مما يأكل، وألَّا يؤذيها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "جعلهمُ اللَّهُ تحتَ أيديكُم، فمنْ كان أخوهُ تحتَ يَدِهِ، فلْيُطْعِمهُ مما يأكلُ، ولْيُلبِسهُ مما يَلبَسُ، ولا تُكَلِّفوهم ما يَغْلِبُهُم، فإنْ كَلَّفْتُموهم ما يَغْلِبُهم فأعينوهم"[7].

ومن لطم مملوكه يصير حرًّا، قال النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح مسلم: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ"[8].

وحتى التسمية بالعبد والأمة غير مُستساغة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ، وَفَتَاتِي، وَغُلامِي."[9]

فالأمر أشبه بالتبني.

ومَن أسلم منهم، فله أجره مرتينِ.

ولذلك تمنَّى أبو هريرة رضي الله عنه أن يموت مملوكًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "للعبدِ المملوكِ المُصْلِحِ أجرانِ. والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِهِ! لولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، والحجُّ، وبِرُّ أُمِّي، لأحببتُ أن أموتَ وأنا مملوكٌ"[10].

وهذا الحديث وحده كفيلٌ بإزالة شُبهة السبي والعبودية تمامًا.

لقد كان المسلمون يتعاملون مع العبيد الذين أسلموا على أنهم أسيادٌ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا -يعني بلالًا-"[11].

مشكلة الملحد أنه يتعامل مع شبهة العبودية في الإسلام بالمنظور الغربي نفسه للعبودية في العصور الوسطى في أوروبا وشتَّان بين الصورتين.

فالعبودية في الإسلام أشبه بالتبني.

والمشكلة الأكبر أنَّنا نشرح هذه التفاصيل لملحد.

والملحد في الأساس يرى أنَّ الإنسان مجرد وَسَخ كيميائي.

فالإنسان من وجهة نظر إلحادية مجرد حُثالة كيميائية Chemical Scum كما يقول الملحد ستيفن هاوكنج[12].

ولذلك فإلحاديًّا لا فرق بين إحراق البشر وبين حفلة شواءٍ، وهذا ما حصل في غرف الغاز في أَوشوِتس Auschwitz حين قامت النازية بحرق الأعراق البشرية الأدنى في محرقة أَوشوِتس.

فالملحد الذي لا يستطيع أن يُقدِّم حجة واحدة على كرامة الإنسان من وجهة نظر إلحادية، ولا يستطيع أن يبرهن على خطأ محرقة أَوشوِتس، مثل هذا هل يُجاب في مسألة فيها من الحكمة والرحمة والجمالية ما فيها كمسألة السبي في الإسلام؟

فالملحد لو كان يقرر معنى الإلحاد فلن يجد مانعًا إلحاديًّا واحدًا من إبادة الجنس البشري بأكمله، وسيكون التطبيق العملي لإلحاده هو أفران شواء البشر.

قبل سنوات قليلة وفي ظل الإلحاد في أوروبا ظهر معسكر أكشن تي فور Aktion T4، والذي تم فيه تطبيق الانتخاب الطبيعي على البشر عمليًّا.

ففي هذا المعسكر أُبيد أصحاب الأمراض المستعصية، والإعاقات والضعفاء، لقد أُبيدوا بسبب مفهوم الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح Survival of the Fittest، فالضعفاء لا بد أن تتمَّ إبادتهم؛ لتحسين نسل الأجيال القادمة، جرى هذا الأمر منذ سنوات قليلة فقط في أوروبا.

هكذا أباح لهم إلحادهم وبرَّر لهم أن يقتلوا أكثر من ربع مليون إنسان داخل هذا المعسكر؛ لأنهم عرق أدنى، وخطر على الانتخاب الطبيعي.

يُمثِّل معسكر أكشن تي فور لحظة نموذجية في تطبيق الإلحاد على أرض الواقع، فإذا كان الإلحاد هو الحَكَم فساعتها سيتقبَّل البشر أيَّة إبادة شمولية، ولن يكون للإنسان معنًى ولا قيمة، وسنفتقد لأيَّة نقطة مرجعية للأخلاق.

فحين يكون الإلحاد هو المقدمة، فإن النتيجة هي: محرقة النازي، ومعسكرات شواء البشر، ومعسكرات أكشن تي فور.

فالإنسان إلحاديًّا لا مانع من قتله باعتباره عِرقًا أدنى.

ولا مانع أيضًا إلحاديًّا من إدخاله أقفاص حيوانات.

وإدخال البشر أقفاص الحيوانات باعتبارهم أعراقًا أدنى هذه حقيقة تاريخية.

فقد أُنشئت حدائق حيوان البشر في قلب عواصم أوروبا، وظلت مفتوحةً حتى سبعينيات القرن الماضي، ولم تغلق إلَّا بسبب بقايا النبوات في الغرب.

وبسبب بقايا النبوات أيضًا أُدينت النازية، وأُدين معسكر أكشن تي فور، وأُدينت محرقة أوشوتس.

لو كان الإلحاد والنظرة الطبيعية هي المسيطرة على العالم، فوالله ساعات وسيتحوَّل هذا العالم إلى غابة من المجانين والهمج.

فالإلحاد يحفر قبرًا يكفي لدفن العالم، ولن تستطيع من خلال الإلحاد أن تنتقد أيَّة جريمة ولو بكلمة، فلو أبعدت الفطرة والنبوات جانبًا سيصبح الإنسان والحشرة شيئًا واحدًا كما يقول الملحد سارتر[13].

فالإيمان بالله ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة فطرية، وضرورة وجدانية، وضرورة إنسانية.

فالإنسان مفتقرٌ افتقارًا ذاتيًّا إلى الدين... مفتقر افتقارًا ذاتيًّا ضروريًّا إلى الله!

ولن يعرف الإنسان معنى إنسانيته ولا كرامته إلا بالدين والوحي والإيمان بالله عز وجل .

فانتقاد الملحد لشبهة السبي، هذا لا يستقيم ولا يُتصوَّر.

المراجع

  1. 1 المغني، م7 ص 134.
  2. 2 المصدر السابق، م7 ص507.
  3. 3 شرح مسلم، م3 ص 637.
  4. 4 الأم للشافعي 253.
  5. 5 صحيح البخاري، ح: 4318.
  6. 6 شرح مسلم، النووي، م10 ص36.
  7. 7 سبق تخريجه، صحيح البخاري، ح:2545.
  8. 8 سبق تخريجه، صحيح مسلم، ح:1654.
  9. 9 صحيح البخاري، ح:2552.
  10. 10 متفق عليه... صحيح البخاري، ح:2548... صحيح مسلم، ح:1665.
  11. 11 صحيح البخاري، ح: 3754.
  12. 12 From an interview with Ken Campbell on Reality on the Rocks: Beyond Our Ken, 1995.
  13. 13 Jean Paul Sartre, Nausea (novel).
التالي → 51 - وماذا عن الحدود -حد السرقة كمثال-؟ ← السابق 49 - هل الإسلام يميز بين الحر والعبد؟ وبين الحُرَّة والأَمَة؟