ج: في الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار.
بدأ كل واحد من هؤلاء الثلاثة يدعو الله عز وجل بخير ما كان يعمل، فلم تنزح الصخرة إلا قليلًا مع كل واحدٍ منهم على قوة إيمانهم، وجميل ما قدَّموا من عملٍ صالحٍ، ومع الدعاء المستمر.
فأوَّلُهم: كان بارًّا بوالديه جدًّا إلى درجة أنَّه ظلَّ واقفًا بإناء اللبن حتى الصباح ليشربا منه.
والثاني: انصرف عن الزنا بعد أن تهيَّأت له أسبابه.
والثالث: حفظ أُجرة العامل الذي كان يعمل عنده... حفظ هذه الأجرة لسنواتٍ، ونمَّاها له حتى أصبحت جبالًا من الكنوز، وأدَّاها للعامل كما هي.
والشاهد من هذا الحديث أنَّ الصخرة لم تنزح إلا قليلًا مع دعوة كلِّ واحدٍ منهم، ومع انتهاء دعاء الثلاثة انزاحت الصخرة فخرجوا يمشون.
فالدعاء يحتاج للأخذ بالأسباب، وقد يحتاج لأعمال إيمانية.
فالأنبياء ومَن بعدهم من السلف الصالح كانوا يدعون الله وهم على ظهور الخيل، وقد أخذوا بالأسباب، وبذلوا جهدهم.
ونوح عليه السلام دعا ربه بعد 950 عامًا من العمل والجد والكد.
فخُذْ بالأسباب وادْعُ الله عز وجل .
فالدعاء يشمل المسألة والطلب، ويشمل أيضًا الأخذ بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الدُّعاءُ هوَ العبادةُ"[1].
وهناك معاصٍ تمنع من إجابة الدعاء مثل: الأكل الحرام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟"[2].
فعلى المسلم أن يتحرَّى المال الحلال.
والمسلم لا يتعجَّل إجابة الدعاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "يُسْتَجابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ، يقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"[3].
مع أنَّ هلاك فرعون وشيعته حصل بعد هذا الدعاء بزمن.
وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الدعاء بزمن طويل جدًّا.
فنحن ندعو الله عز وجل ، وهو سبحانه يجيب عباده بحكمته وعلمه، متى شاء، وكيف شاء.
فعلينا الدعاء والأخذ بالأسباب والرضا بقضاء الله، وحسن الظن بالله، وهذا حال المسلم.
وتدبَّرْ دائمًا الحِكمة من تقدير الله: وتدبُّر الحكمة هذا رياض الصالحين، وبستان العارفين، فقد يكون البلاء أكبر خير تتخيَّله العقول.
أتى الأحزاب لقتال الصحابة، ولم يكن إلا خندق ليعبروه.
بميزان الدنيا أيام قليلة، وينتهي كل شيء.
فقال الصحابة: هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ.
موقف من التسليم لله، وتدبُّر لحكمة الله يتوقَّف عنده الزمن.
أنزل الله آيةً عظيمة زلزلت الأحزاب، وجعلتهم يهربون بلا عودة.
لذلك كان هذا المجتمع مجتمع الصحابة أقرب المجتمعات للكمال في تاريخ الإنسانية.
فكن راضيًا دومًا بأقدار الله، ولو كانت على غير ما ترجو، أو عكس ما ترجو.
فكُن مطمئنًّا.
نحن نحتاج أن نتدبَّر هذه الآيات كل يوم.
فكل تقدير الله فيه كمال الخير، وكمال الحكمة، وإنْ كان على غير ما ترجو وتدعو.
انظر لحال الأمة زمن اجتياح التتر المغول لأُمة الإسلام، وانظر لحالها بعد قرنٍ واحدٍ!
فالذي ظنَّه الناس هلاكًا للمسلمين كان أكبر فتح، فمئات الملايين من مُسلمي اليوم من التتر!
يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ زمن اجتياح المغول: "كيف أكتب نعي الإسلام والمسلمين، يا ليت أمي لم تلدني".
كان ابن الأثير يتخيَّل أن اجتياح التتر نهاية الإسلام والمسلمين.
ولم يكن يعرف أنَّه أمام أكبر فتح في تاريخ الإسلام، وإن بدا أكبر مصيبة، فقد أُعجب التتر بدين الإسلام، ودخل ملوكهم وشعوبهم فيه أفواجًا.
وما تركستان والتركمان والقيرغيز والأوزبك وأذربيجان والقِرم والأتراك إلا من نسل التتر!
فكثير منا يتألَّم لمصاب ثم يكتشف أنَّه أكبر خير.
ونحن في حياتنا القريبة قد نبكى لحادثٍ، ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته.
لذلك نحن ندعو والله يقدر الخير، وقد يكون الخير في غير ما ندعو.
ولذلك شُرعت الاستخارة وفيها نقول: "واقدُرْ ليَ الخيرَ حيث كان، ثم أرضِني به"[4].
فهناك من يرجو أن يصير أقوى رجل، وآخر يرجو أن يحوز جبالًا من ذهب، وثالث يرجو أن يهلك كلُّ عدو له، ورابع يرجو أن يكون أنعم أهل الأرض.
فهناك دعوات بها تفسد السماوات والأرض، ويختل بها ناموس السماوات والأرض.
فلله سنن كونية نافذة.
لذلك فأنت فقط تدعو بخيرَيِ الدنيا والآخرة، والله بحكمته يُقدر ما هو خير.
وليس أحد على وجه الأرض إلا جرَّب دعاء المضطر!
ولا أنسى تلك الشهور التي قضيتُها في مرضٍ غريبٍ ألمَّ بي، وذهبت لكبار أستاذة الطب، ثم لا أزدادُ إلا حيرة، ولا تزداد الأعراض إلا تضخمًا بكثرة الفحوصات والأجهزة والهولتر.
وأذكر والله أني لجأت في ليلةٍ لربي لجوء المضطر، وإذا بي أنطلق إلى أحد المراجع الطبية لأفتحه، ووالله فتحت المرجع على تشخيص مرضي.
وكان العلاج حبة برشام واحدة، أذهب الله بها عني كلَّ ما أجد.
فمن منَّا لم يُجرِّب دعاء المضطر؟
من منَّا لم يلجأ لربه فينقذه في لحظة انقطاع كل السبل؟
من منَّا ولو كان ملحدًا لم يقل: يا رب، في لحظة ضيق عظيمة، ويُستجاب له بأعجب مما يتصور.
منذ أكثر من عام تواصلَتْ معي ملحدة تونسية وقالت لي إنها من عائلة شيوعية ملحدة.
ولا تفكر في الدين ولا يعنيها.
ثم بعد أيام أرسلت لي تنطق الشهادتين.
فتعجَّبت من حالها.
فقالت لي: حصلت حادثة كبيرة، ولم يبقَ بيني وبين الموت إلا الدعاء، فدعوت ربي ونجَّاني.
فكلنا يعرف دعاء المضطر، وكلنا يوقن أنَّ الله قريب، وأنه يجيب لحظة الضيق!
فادعُ الله، وتضرَّعْ إليه، فهو قريبٌ مجيبٌ سبحانه.