ج: في البداية الوضع المتردي في العالم الإسلامي اليوم لا ينكره أحدٌ.
لكنَّ الأمر ليس بهذا الإطلاق، فهناك دول إسلامية هي اليوم من أعلى دول العالم في دخل الفرد.
وهناك دول إسلامية شعوبها من أغْنى شعوب العالم على الإطلاق.
وهناك دول إسلامية بها مُدُن علمية، وليس جامعات علمية، بل مدن علمية.
فماليزيا كمثال بها: خمسُ مدن علمية.
لكن هذا المعيار خطأ تمامًا من الأساس.
فمعيار قياس القيمة والحق بالقوة المالية أو القوة العلمية التجريبية هذا معيار فاشل وغبي.
فالعبرة والقيمة والحق ليسوا بالثراء المالي أو العلمي التجريبي.
يقول الكفارُ للمؤمنين إذا دُعوا للإيمان: أيُّ الفريقين أفضل ماديًّا؟ (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا).
ما عَلاقة التقدم المادي بكوني على حق أو على باطل؟
فرحوا بالتقدُّم العلمي!
فالتقدم ليس ممدوحًا في ذاته، وليس أيضًا مذمومًا في ذاته، وإنما يُمدح التقدم بقدر تزكيته بالوحي الإلهي، ويُمدح بقدر الانقياد لرب العالمين، وبقدر تطبيق الدين، ويُمدح بقدر انتفاعك بهذا العلم التجريبي المادي، وبهذه الأموال في دينك، وبقدر ما تستخدم هذا العلم، وهذا المال في نفع الناس وصلاح أحوالهم لله، وليس للكاميرات والدعاية.
فهذا وحده هو التقدُّم المطلوب.
فالتقدم المزكَّى بالوحي الإلهي هو المطلوب، أما غيره فممقوتٌ بلا وزنٍ.
إذن فالتقدم المفتقِد للإيمان هو تقدُّم بلا قيمة في ذاته، وهذا النوع من التقدُّم من الممكن أن يؤدي للجنون في أية لحظة.
مثال على ذلك: الحرب العالمية الثانية المجنونة، فهذه الحرب قادتها أكثرُ دول العالم تقدمًا ماديًّا في ذاك الوقت.
وكانت ألمانيا السببَ المباشرَ لهذه الحرب أكثر دول أوروبا تقدمًا، وشعبها كان أكثر شعوب أوروبا علمًا ماديًّا.
ومع كل هذا التقدم أُبيد 2% من البشر على يد الألمان، وقُتل عشرات الملايين من البشر باعتبارهم أعراقًا أدنى.
فالتقدم المفتقِد للإيمان يؤدي للجنون فعليًّا.
لكن السؤال هنا: هل يتيح الإسلام بتشريعاته وبتطبيقه تقدمًا ماديًّا علميًّا مزكًّى بالوحي الإلهي؟
هل كان للمسلمين أمجادٌ حين طبَّقوا دين الله؟
أم أنَّ هذا لم يحصل؟
الجواب: في الواقع مَن يطرح تساؤلًا كهذا هو كأنه لم يقرأ يومًا صفحةً واحدةً في التاريخ الإسلامي.
وكأن الإسلام لم يُقدم للعالم أعظَمَ حضارة، وأرحم حضارة شهدتها الإنسانية.
وكأن الإسلام لم يقدم حضارةً عمرها 1200 سنة، وهي أطولُ حضارة على الأرض، استمرَّت بدون توقف أو انقطاع هذه المدة.
ألم يقرأ طارح السؤال صفحةً في تاريخ الإسلام تُنبئ بهذه الحقيقة الناصعة؟
الإسلام الذي شرَّف اللهُ به الأرض.
الإسلام الذي نشأت به الحضارة الإسلامية.
فالدين الوحيد الذي أنشأ حضارة هو: الإسلام.
أما بقية الديانات، فقد احتضنتها حضارات.
فالحضارة الغربية احتضنت المسيحية، والحضارة الهندية احتضنت الهندوسية.
أما الدين الوحيد الذي أنشأ حضارة فهو: الإسلام، وأسَّس الإسلام "الحضارة الإسلامية".
والإسلام الذي بدخوله للقسطنطينية عام 1453 ميلادية، انتهت العصور الوسطى المظلمة في أوروبا.
فتاريخ انتهاء العصور المظلمة هو 1453 ميلادية، وهو العام نفسه الذي دخل فيه الإسلام أوروبا.
فما إنْ دخل الإسلام قلب أوروبا حتى شعَّ فيها نور العلم بعد أن كانت شوارعُ عواصم أوروبا أشبه بالمراحيض العمومية.
وفي مكتبة الكونجرس المكتبةِ الأعظم في العالم، نُقِش على سقف الصالة الرئيسية للمكتبة دوائرُ تشير إلى مصادر تقدُّم الحضارة الغربية، والإسلام هو الديانة الوحيدة المذكورة في الدوائر السبع.

الإسلام هو الدين الوحيد المذكور، وهو يختصُّ بالعلوم الطبيعية.

ISLAM: PHYSICS
بينما تختصُّ بقية الدوائر بأسماء بلدانٍ، وما قدَّمته هذه البلدان هو: تقدُّم أدبي أو فني أو لغوي!
فالإسلام صنع حضارة علمية قوية.
وعلى مدى 700 سنة كانت اللغة الدولية للعلوم في العالم هي: اللغة العربية.
فإذا أردتَ أن تتعلَّم العلوم التجريبية، فلا بد أن تتعلَّم العربية.

وأقدم جامعةٍ ما زالت تعمل بحسب اليونيسكو في العالم، هي جامعة القَرويين التي أنشأها المسلمون.

وأقدم مكتبةٍ في العالم ما زالت موجودةً هي مكتبة إسلامية.

لكن هل نحن تأخَّرْنا عن هذا التقدُّم؟
نعم، طبعًا تأخرنا!
تأخرنا بذنوبنا وبتقصيرنا.
تأخرنا بما نجترحه كلَّ يوم من فساد وظلم، وذنوب ظاهرة، وذنوب خلوات، وعدم توقير للأمر الإلهي في حياتنا العامة.
وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ: عصيتم أمر النبي صلى الله عليه وسلم من بعد ما رأيتم الغنائم.
فماذا كانت النتيجة؟
أُصيب خير جيل، وأتقى جيل، وأصلح جيل في تاريخ هذه الأمة.
فما بالنا بحالنا اليوم؟
فنحن تأخَّرْنا بكثرة ذنوبنا.
فإذا أصلحت أمْرَك كما أمَرَ ربُّك، ينصلح كلُّ شأنِك، وترقى في الدنيا والآخرة.
فإنْ تلتزم بالأمر الإلهي في كل صغيرة وكبيرة في حياتك، وتتقي الله ما استطعت، فوالله أبشِرْ، فالله حسبك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "احفظِ الله يحفظْك"[1].
فإذا اتقت الأمة ربَّها، صلُح حالُها، وتيسرت لها الخيرات.