الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 70

كيف يكون هناك مَلَك مُوكَّل بالسحاب، مَع أنَّنا نعرف الأسباب الطبيعية المادية لسير السحب؟

ج: كون وجود ملك مُوَكَّلٌ بالسَّحَابِ... هذا لا مانع عقلي منه!

ما المانع العقلي من ذلك؟

ومعرفة السبب المادي لظاهرةٍ ما لا ينفي وجود بُعد غيبي فيها.

ومعرفة الآلية المادية لحصول الرعد لا ينفي وجود بُعد غيبي، ولا ينفي وجود تدبير وتقدير، ومَلَك يقوم بالأمر، وحكمة إلهية.

فلا مانع علمي ولا عقلي يمنع من ترادف ذلك... لا مانع عقلي يمنع من تزامن وجود بُعد غيبي في قضية لها أسباب مادية ظاهرة.

فوجود بُعد غيبي لقضية مُفسَّرة علميًّا هذا غير ممتنع.

بل إنَّ التفسير العلمي في الأساس غير كافٍ لتعليل أية ظاهرة.

فإذا تساءلنا: لماذا يحصل الرعد؟

سيجيب العلم: نتيجة صدمة صوتية.

سنسأل: لماذا حصلت الصدمة الصوتية؟

يجيب العلم: نتيجة ارتفاع مفاجئ في الضغط الجوي.

سنسأل: لماذا الارتفاع الجوي يولِّد صدمة صوتية؟

سيجيب العلم: هكذا جرى الأمر.

Just so

لا نملك تعليلًا ذاتيًّا كافيًا لتفسير أية ظاهرة بالعلم وحده.

مثال آخر: لماذا يحصل البرق؟

سيجيب العلم: بسبب حصول تفريغ كهربي عند فرق جهد معين.

سنسأل: لماذا يحصل تفريغ كهربي عند فرق جهد معين؟

سيجيب العلم: هكذا جرى الأمر.

Just so

مثال ثالث: لماذا يَغلي الماء عند مائة درجة مئوية؟

سيجيب العلم: هكذا جرى الأمر.

Just so

وربما هنا في هذا السؤال الأخير يقول متفذلك: عند الدرجة مائة مئوية يكتسب الماء الطاقة اللازمة للتغلُّب على قوى الجذب الجزيئية فيتحوَّل الماء لبخار.

وهو بهذا الجواب قام بتأخير الإجابة بـ "هكذا جرى الأمر" خطوة واحدة للوراء لا أكثر.

لأننا إذا سألناه: لماذا عند درجة مائة مئوية تتفكَّك قوى الجذب الجزيئية؟

ستبقى الإجابة في الأخير: هكذا جرى الأمر.

Just so

فالتفسير العلمي هو شرحٌ لآلية عمل الظاهرة، وليس تعليلًا كافيًا للظاهرة.

فالاكتفاء بالتفسير العلمي هو في حد ذاته غير كافٍ طبيعيًّا.

فوجود بُعد غيبي، هذا لا مانع منه، بل هو مُقتضى البديهة العقلية عند أُولي الألباب لمن نَظر في عالم الأسباب، ولمن نظر في طبيعة التفسير العلمي.

فمَن نَظَر في عالم الأسباب وفي طبيعة التفسير العلمي سيعرف أن عالم الأسباب وعالم التفسير العلمي لا يكفيان بذاتهما لتعليل أية ظاهرة.

يقول الدكتور أبو الفداء ابن مسعود: "فالله عز وجل يقضي الأمر في السماء، فتجري أسباب حصوله على يد ملائكة موكَّلة بدقائق الأمر على نحوٍ يحفظ للقانون السببي اطرادَهُ، وللتفسير الطبيعي عملَهُ، ولا يحصل في الأخير إلا ما يقضي الله به في قضائه الشامل بضبط وإحكام وتسيير وحكمة وَفْق نواميس نعلمها أو لا نعلمها، تتجلَّى لنا أو تخفى علينا، وهذا هو عين الإيمان بتقدير الله لكل شيء وتدبيره لكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون[1].

سبحانه المليك المقتدر.

فالرعد الذي هو ناتج تمدُّد الهواء تمددًا شديدًا؛ هذا التمدُّد لا مانع عقلي من أن تكون له علل غيبية خفية سخَّرها الله عبر ملائكته.

وزجر السحب يجري عبر ملائكة، وهذا لا مانع منه.

فعملية الزجر للسحاب على يد الملائكة هي في الأساس عملية غيبية، فهذا عالمٌ غيبيٌّ محضٌ.

إذ إنَّ عالم الملائكة وما تقوم به هو من عالم الغيب الذي لا قياس له على شيء مما في عالمنا المادي.

فلا مانع علمي ولا مانع عقلي من ترادف أسباب غيبية مع الأسباب الطبيعية الظاهرة، خاصةً وأن الأسباب الطبيعية الظاهرة هي في حد ذاتها كما قلنا ليست تفسيرًا للظاهرة، ولا تكفي لتفسير الظاهرة.

فكل شيء في الأخير يخضع لتدبير الله وحكمته ومشيئته وتقديره، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8- 9].

المراجع

  1. 1 معيار النظر عند أهل السنة والأثر، د. أبو الفداء ابن مسعود، م 2 ص453.
التالي → 71 - كيف تغرب الشمس في عينٍ حمئةٍ؟ ← السابق 69 - هل الأخلاق مطلقة أم نسبية؟