ج: هناك حديث متواتر رواه أكثر من عشرة من الصحابة... رواه البخاري ومسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ"[1].
والآن لنقرأ الحديث كاملًا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "سمِعتُ هشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حزامٍ يقرأُ سورةَ الفرقانِ، فقرأَ فيها حُروفًا لم يَكُن نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقرأَنيها، قُلتُ: مَن أَقْرأَكَ هذِهِ السُّورةَ؟ قالَ: رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قُلتُ: كذبتَ، ما هَكَذا أَقْرأَكَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ! فَأخذتُ بيدِهِ أقودُهُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إنَّكَ أَقْرأتَني سورةَ الفرقانِ، وإنِّي سمِعتُ هذا يقرأُ فيها حروفًا لم تَكُن أَقْرأتَنيها! فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : اقرأ يا هشامُ. فقرأَ كما كانَ يقرأُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَتْ. ثمَّ قالَ: اقرَأْ يا عُمَرُ. فقرأتُ، فقالَ: هَكَذا أُنْزِلَتْ. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ: إنَّ القرآنَ أُنزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ".
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم علَّم الصحابة القرآن بالأحرُف السبعة.
كل مجموعة صحابة كانوا يعرفون حرفًا من الأحرف السبعة.
لكن هنا السؤال: كيف ظهرت القراءات العشر بينما عندنا سبعة أحرف فقط؟
والجواب: يأتي التابعيُّ فيأخذ سورة النحل مثلًا عن الصحابي عبد الله بن مسعود بحرفٍ، ويأخذ سورة الإسراء عن الصحابي أُبَيِّ بن كعب بحرفٍ لوجهٍ في القراءة يختاره، ثم يُعلِّم هذا التابعي تلاميذه بهذه الاختيارات للأحرف التي اختارها.
فتُسمَّى هذه الاختيارات للأحرف قراءةً.
إذنْ عندما يختار التابعيُّ هذه السورة بحرفٍ وتلك السورة بحرفٍ آخر، يُسمى هذا الاختيار "قراءة" ومن هنا ظهرت القراءات.
فالأحرف السبعة هي المُتضمَّنة في القراءات العشر.
واليوم عندنا مئات الآلاف من المسلمين ممن يحفظون القرآن بالقراءات العشر.
لكن هل هذه القراءات العشر هي فقط في اختلاف المدود وطريقة نطق بعض الحروف في القرآن؟
نعم! هذا هو الأصل.
فاختلاف الأحرف السبعة هو اختلاف في المدود وطريقة نطق بعض الحروف، وهذا تيسيرًا على لسان العرب.
لكن يوجد أيضًا بعض الكلمات القليلة تختلف من حرفٍ لآخر، وبالتالي تختلف من قراءةٍ لأخرى، فتؤدي كل قراءة معنًى جديدًا إضافيًّا للآية؛ ولذلك قال مجاهدٌ تلميذ ابن عباس: "لوْ كُنْتُ قَرَأْتُ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ أَحْتَجْ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا سَأَلْتُ".
فكل قراءة تفتحُ معاني جديدة للآية.
إذن فالقراءات العشر مأخوذةٌ من الأحرف السبعة، وكلها منقولة بالتواتُر من فم النبي صلى الله عليه وسلم .
وأغلب الفروق بين القراءات هي اختلاف في طريقة تدوير بعض الحروف.
لكن هنا قد يظهر سؤال: كيف يكون مصحف عثمان مصحفًا واحدًا، وعندنا هذا العدد من القراءات؟
والجواب: أنَّ عثمان رضي الله عنه لما جمع المصحف لم يُنقطه.
لم يضع النقط على الحروف.
وربما يظن البعض أنَّ هذا يعود لكون التنقيط لم يظهر إلا في مرحلة تالية.
وهذا خطأ!
فالتنقيط للحرف العربي كان موجودًا قبل عثمان بن عفان رضي الله عنه بزمنٍ.
وعندنا برديات تعود للعام 22 هجرية، يظهر فيها التنقيط جليًّا.

وعندنا أثرُ ابن عباس أن عامر بن جدْرة وضع التنقيط في زمن مبكر جدًّا[2].
إذنْ عدم التنقيط للقرآن في مصحف عثمان أحد أسبابه: حتى يتيح القراءة بالقراءات.
فمصحف عثمان يتيح القراءة بجميع القراءات.
لكن كما قلنا: في بعض المواضع تتغيَّر الكلمة من قراءة لأخرى، فحتى لو لم يتمَّ التنقيط لن نستطيع أنْ نُثبِت كل أوجه القراءة في مصحفٍ واحدٍ.
عندنا قراءة أخرى: (ومن يتول فإن الله الغني الحميد).
فماذا يفعل عثمان رضي الله عنه حتى يستوعب القراءتين في مصحفه؟
فمصاحف عثمان تُثبِت القراءاتِ بوجوهها[3].
قال ابن عابدين: القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتّفاق هو المضبوط في المصاحف الأئمَّة التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار، وهذا هو المتواتر جملةً وتفصيلًا.
إذن فالمصاحف التي نشرها عثمان في بلاد المسلمين شملت القراءات.
وبغض النظر عن كل هذا، فالقراءات متواترة شفاهةً من فم النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا.
فالقرآن كتابٌ صوتيٌّ، وأنت لا تنتظر مصحفًا حتى تعرف كيف تقرأ القرآن.
بل أنت لن تعرف القراءة الصحيحة للقرآن إلا بالنقل الشفاهي... نقل الفم للفم للقرآن؛ ولذلك عثمان رضي الله عنه كان يرسل مع كل مصحف مقرئًا يُقرئ الناس القرآن بهذه القراءة أو تلك.
فبدون النقل الشفاهي لكل حرف في القرآن لن تعرف القراءة الصحيحة المنضبطة.
بل إنَّ هناك أحكامَ نطقٍ في القرآن كـ: "الإشمام"، لن تعرف تطبيقها حتى بالسماع؛ إذ لا بد أن ترى شفاه مَن يُقرئك القرآن.
فالقرآن كتاب صوتي منقول بالتواتر نَقْلَ الفم للفم.
ولم ينزل كتاب من السماء فيما أعلم بأكثَرَ من قراءة غير القرآن الكريم، وفي هذا بيان لعظمة هذه الأمة، وكيف حرصت على كتاب ربها، فطريقة نطق كل حرف بأوجه قراءتِهِ منقولة بالتواتر من فم النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل جيل من أبناء المسلمين حتى الساعة.