ج: يزعم الملحد أنَّ الأخلاق نسبية، فما هو أخلاقيٌّ عند قوم ربما يكون غير أخلاقي عند غيرهم.
والملحد مضطرٌّ لهذا الاعتقاد بنسبية الأخلاق؛ لأنك إلحادي في عالم نسبي عبثي، وبالتالي فلا بد أن تكون الأخلاق نسبية، بينما القول بالمُطلقية هو إقرار بوجود قِيَم متجاوزة، وهذا يعني غائية كبرى، لكن هذه أمور غير موجودة في الإلحاد؛ لذلك هم مُضطرون للقول بنسبية الأخلاق.
لكن الإشكال في القول بنسبية الأخلاق، أنَّ هذا القول يُدمّر معنى الشبهة من البداية.
فكيف لملحد أن ينتقد مسألة دينية، وهو يزعم أنَّ الأخلاق نسبية؟
هذا تناقض ظاهر.
إذ لو كانت الأخلاق نسبية فربما ما يظنُّهُ الملحد خطأً وشبهةً هو عين الصواب.
لكن هل فعلًا الأخلاق نسبية؟
فكرة نسبية الأخلاق هي فكرة تُدمر العالم حرفيًّا؛ لأنَّ الأخلاق لو كانت نسبية لما استطعت أن تحاكم هتلر.
ولما استطعت أن تحاكم أية جريمة.
فما تظنُّهُ أنت جريمة قد يكون هو عين الحق والخير.
ففكرة الأخلاق النسبية هي فكرة تدمر معنى المحاكم والقضاء والدساتير.
فكرة الأخلاق النسبية تدمر معنى الدولة.
إذ كيف أُحاكمك على جريمة قد يكون ارتكابُها صوابًا عندك؟
إذا سار العالم وَفْق هذه الرؤية الإلحادية سنتحوَّل والله بعد ساعات إلى غابة من المجانين والهمج.
سينهار العالم في ساعاتٍ قليلةٍ إذا صدَّق الإلحاد.
ومن فضل الله أنَّ هناك إجماعًا فطريًّا إنسانيًّا على ضرورة معاقبة المجرم، وهذا الإجماع مناقضٌ لما عليه الإلحاد، ومصدر هذا الإجماع هو أنَّ: الأخلاق مطلقة والإنسان مُكلَّف.
فلو كانت الأخلاق نسبية لما أجمع البشر على ضرورة معاقبة المجرم، ولما كان لمعاقبته معنًى.
ولو لم يكن الإنسان أيضًا مكلفًا لما استطعنا محاكمته.
فقوام القانون والدستور والمحاكم والقضاء والعقوبة والجزاء وقوام الدولة ككل على أنَّ الأخلاق مطلقة، وعلى أنَّ الإنسان مُكلَّف.
ومجرد التشكيك في هذه البديهات، هذا يسقط الدولة.
يُسقط الإنسان.
إذا أردت إسقاط دولة في ساعتينِ، فالأمر يسير: أحضِرْ مجموعة من الملحدين، وحَكِّمْ بينهم الإلحاد!
صدقني لن تمُرَّ ساعة واحدة بعد تحكيم الإلحاد حتى يخرجوا كالمجانين في الشوارع، وفي الساعة الثانية سينهار كل شيء.
لا بقاء للإلحاد إلا ببقايا النبوات.
لا بقاء للإلحاد إلا ببقايا القيم الدينية.
لا بقاء للإلحاد إلا بتحكيم الأخلاق المطلقة.
لا بقاء للإلحاد إلا ببقايا الفطرة.
الإلحاد فكرة لا تصلح للتطبيق ولا حتى التصوُّر.
المشكلة أنَّ الملحد كما قلت مضطرٌّ للقول بنسبية الأخلاق حتى يتفق مع إلحاده لا أكثر.
الإلحاد يخالف بديهيات.
الإلحاد يخالف إجماعًا فطريًّا إنسانيًّا.
لكن لماذا نقطع بأنَّ الأخلاق مطلقة في كل عصر، وفي كل مكان؟
والجواب: لأنَّ الأخلاق موضوعية، وليست ذاتية.
الأخلاق Objective.
وليست Subjective.
الشيء الموضوعي هو: الشيء في حقيقته، فنقول هذا كتاب.
هذا شيء موضوعي.
أما عندما تقول: أنا أحب هذا الكتاب، فهذه قضية ذاتية.
فهل الأخلاق تخضع للميول أو الحب أو الكراهية؟ أم أنها شيء مستقلٌّ عن ميول البشر؟
الأخلاق بلا جدال هي شيء مستقلٌّ تمامًا عن ميول كل البشر.
فالأخلاق لا تعتمد على رغبات البشر أو نزواتهم أو ميولهم، فالخير خيرٌ عند الصالح والطالح، والشر شرٌّ عند الصالح والطالح.
إذن فالأخلاق موضوعية وليست ذاتية.
فالأخلاق تعتمد على شيء خارج الميل البشري تمامًا... تعتمد على إرادة الله التي يريدها لهذا العالم.
فالأخلاق لها غرضية كونية، وفيها الاستقلال التام عن إرادة البشر.
والقيم الأخلاقية يعتنقها كل إنسان بوعي أو بغير وعي.
فكلُّنا نعتنق معاني القيم الأخلاقية، ولا أحد ينكر التكليف الإلهي بداخله، والذي تمثل الأخلاق جزءًا منه.
فكلنا نُقِرُّ بوجود هذا التكليف.
حتى مَن يرتكب كل فاحشة يعلم تمامًا ما هو أخلاقي، ويعلم ضرورة الواجب الأخلاقي، وقيمة الواجب الأخلاقي.
ومن بديهيات كون الأخلاق مطلقة أنها لا يوجد فيها أي تطور...
فالصدق هو الصدق عبر كل التاريخ البشري، والكذب هو الكذب عبر كل التاريخ البشري.
وفي عصور ما قبل الميلاد حوالي 500 سنة قبل الميلاد، قام يوربيديس Euripides بكتابة مسرحية "نساء طروادة The Trojan Women" وهي مسرحية أخلاقية، وقد أكمل سارتر كتابة هذه المسرحية منذ حوالي 70 سنة فقط، ومع ذلك لن تجد أية فجوة زمنية بين التاريخين.
فمعاني القيم الأخلاقية لم تتغير ولن تتغير.
وكتابات شيشرون Cicero الأخلاقية تستطيع تقييمها في كل زمن بالميزان نفسه.
والقيم الأخلاقية يمكن وضعُها في أي عصر من العصور وستناسبه تمامًا.
وأيُّ مسلم يحرص على أن يقتدي بأخلاق السلف الصالح ممن عاشوا قبل مئات السنين.
فالأخلاق ليس فيها تقدُّم، بل هي ثابتة عبر كل عصر وكل مكان.
ولن يفهم الملحد الشبهة أصلًا إلا لأن الأخلاق مطلقة، وثابتة عبر الزمن.
لكن الملحد ونتيجةً لإلحاده فإنه يقع في تناقض ذاتي عجيب؛ إذ يقول بـ: وجود الشبهة في مسألة أخلاقية معينة في الدين، وبعد لحظات ينقض شبهته بنفسه ويقع في تناقض عجيب حين يقول إنَّ: الأخلاق نسبية.
لو كانت الأخلاق نسبية لما كان لشبهتك معنًى، ولما استوعبت الشبهة أصلًا.