ج: الملاحدة ينكرون حصول المعجزات؛ لأنها تخالف النواميس الكونية والقوانين الطبيعية، وهذا الإنكار سخيف تمامًا.
لأن المعجزات لو لم تخالف النواميس الكونية والقوانين الطبيعية لن تكون معجزاتٍ.
فشرط المعجزة: مخالفة النواميس العادية.
وإذا كان الله موجودًا، فالمعجزات من الطبيعي أن تحصل على أيدي الأنبياء.
فالمعجزات والآيات يُظهرها الله على أيدي أنبيائه، كيف شاء، وقتما شاء، بأيةِ صورةٍ شاء.
والقوانين نعم ثابتة ومتكررة بحتميةٍ، لكن هذا في الأنظمة المعزولة.
وهنا السؤال: هل الكون معزولٌ عن الله؟
هل الكون بعيد عن قيومية الله، وعن مشيئته وحُكمه وإرادته؟
لا قوام للكون أصلًا إلا بقيومية الله، فالكون قائم بقيومية الله.
وبالتالي ففكرة الكون المعزول تصحُّ فقط بالنسبة لنا وليس بالنسبة لله سبحانه.
فلو شاء الله أنْ يخلق دابة في صخرة لما انخرق قانون؛ لأنَّ القوانين تصحُّ فقط في الأنظمة المعزولة، وبالبداهة لا شيء معزول عن الله.
إذن في واقع الأمر وفي حقيقته لا يوجد أيُّ تعارض بين الناموس وبين المعجزة.
ليس هناك تعارض بين القوانين الطبيعية وبين الآيات التي يجريها الله على يد أنبيائه.
إذنْ حصول المعجزة أمر طبيعي ومُتوقَّع!
وإثبات حدوثِ المعجزة يتطلَّب فقط إثبات صحة الخبر، فإذا ثَبت الخبر بوقوع المعجزة، فلا وجه للمماحكة أو الإنكار.
وكفار مكة أرادوا اختبار النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتأكَّدوا من وقوع معجزة الإسراء والمعراج، فطلبوا منه أن يحكيَ لهم تفاصيلَ مُعيَّنة في بيت المقدس لا يعرفها إلا من زاره.
روى الإمام مسلم في صحيحه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لقَدْ رَأَيْتُنِي في الحِجْرِ وقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عن مَسْرايَ، فَسَأَلَتْنِي عن أشْياءَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْها، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لي أنْظُرُ إلَيْهِ، ما يَسْأَلُونِي عن شيءٍ إلَّا أنْبَأْتُهُمْ به"[1].
لكن بعض الملحدين يسخر من فكرة البراق المُجنَّح في رحلة الإسراء والمعراج.
والجواب: البراق المجنَّح، هي فكرة لا يوجد عليها نصٌّ واحدٌ في القرآن أو السُّنة.
فلم يرد في نصٍّ واحدٍ أن البراق كانت له أجنحة أو أنَّه كان مُجنحًا.
بل إنَّ عائشة رضي الله عنها كانت ذات يوم تُمازح النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم معها بعض اللُّعب، ورأى فرسًا في وسطها له جناحانِ، فقال لعائشة: ما هذا الَّذي علَيهِ؟ قالَت: جَناحانِ، قال: فرَسٌ لها جَناحانِ؟ قالَت: أوَمَا سمِعتَ أنَّهُ كانَ لسُلَيمانَ بنَ داودَ خيلٌ لَها أجنِحَةٌ، فضحِكَ رسولُ اللهِ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ[2].
فالشاهد من هذا الكلام أن فكرة البراق المُجنَّح غير موجودة، بل وتعجَّب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هناك فرسٌ له جناحانِ.
وفي قضية الإسراء والمعراج يثير بعض الملحدين أيضًا شبهة أنَّ الإسراء والمعراج منقولٌ من الزرادشتية.
وفي الواقع مَن دَرس ونظر في الزرادشتية سيكتشف أنَّ الزرادشتية هي التي نقلت قصة الإسراء والمعراج من الإسلام.
فقصة معراج الشاب أردافيراف Arda Viraf أو أردوفيروف نومِه في الزرادشتية، هذه القصة كُتبت في القرن العاشر الميلادي تأثرًا بالإسلام طبقًا للمراجع الزرادشتية نفسها.


ومن العجيب أنَّ حادثة الإسراء والمعراج للنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ، تحدثَّت عنها الكتب المقدسة السابقة، وبشَّرت بأنها ستحصل معه.
فقد ورد في سفر دانيال:

كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ: أتى هذا النبي مع سحب السماء.
وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ: جاء إلى الله.
فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ.
فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ: ستكون دعوته إلى الله عالمية... للناس كافة.
سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ: سيبقى تشريعه إلى يوم القيامة.
وهذا الشخص الذي سيُعرَج به إلى الله، وستكون دعوته للناس كافةً، وسيبقى تشريعه إلى قيام الساعة طبقًا لهذا النص في سفر دانيال هو شخص له سمات محددة، منها:
أنَّ زمن بعثة هذا الشخص والتمكين لأمته وانتصارهم على ممالك الأرض سيكون بعد ظهور قسطنطين الكبير بثلاثة قرون ونصف القرن.
وقسطنطين ظهر عام ثلاثمائة ميلادية، فإذا أضفنا لهذا التاريخ ثلاثة قرون ونصف القرن فنحن في العام ستمائة وخمسين ميلادية، وهو زمن أوج انتصار الأمة الإسلامية على ممالك الأرض في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتوح الشام والعراق.
فهذا النبيُّ الذي عُرج به إلى السماء في نبوءة دانيال هو بشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا تكون هذه البشارة لغيره.
فهو الذي جاءت دعوته للعالم كله، وهو الذي شريعته ما زالت حتى الساعة، وستبقى ليوم القيامة، وهو الذي فُتحت لأمته ممالك الأرض، وهَزمت أكبر الإمبراطوريات.
بل ويذكر سفر دانيال أن فتح القسطنطينية -مملكة قسطنطين الكبير- لن يكون إلا على يد أُمَّة هذا النبي، وهذا لم يحصل لأُمَّة سوى الأمة الإسلامية.
وهذه البشارة المدهشة في سفر دانيال دفعت قسيسَ إرميا سابقًا "عبد الأحد داود"، ليقول عن هذه البشارة: "لعلها أروع وأوضح نبوءة عن البَعثة النبوية، لأعظم البشر، وخاتم الرُّسل"[3].