ج: هذه من عجائب شُبُهات الملحدين.
فالعهد القديم منذ أن كتبه عزرا الكاهن في القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي، كان نصًّا مكتوبًا غير محفوظ.
وبعد ذلك اندثرت العبرية التي كُتِب بها العهد القديم، وحلَّت محلَّها الآرامية، وحاولت الجماعات اليهودية عبر القرون إعادة ضبط نصوص العهد القديم، لكنها كانت محاولات فاشلة؛ لأن العبرية التي كُتب بها العهد القديم، لم تكن بها علامات لمعرفة الحركات، وليس فيها مقابل مكتوب للمدود كـ: الواو والياء والألف عندنا، ولم تكن النصوص محفوظة سماعًا، فليس عند اليهود التواتر الشفاهيُّ كالذي عندنا في كل حرف في القرآن الكريم.
فكانت مشكلة حقيقية تواجه اليهود!
ولم يتمكَّن اليهود من إعادة قراءة العهد القديم إلا بعد 1400 عام، وتحديدًا في زمن الخلافة العباسية.
حيث إنه تحت لواء خلافة المسلمين، وازدهار الثقافة في ذلك الوقت، أخيرًا استطاع اليهود إعادة قراءة كتابهم على يد هارون بن أشير Aaron ben Asher وموشيه بن نفتالي Moshe ben Naphtali، ولم يستطع اليهود أن يفعلوا ذلك إلا بالاستعانة بالجذر اللغوي العربي؛ لما أُشكل عليهم في اللفظ العبري، ثم أخذوا طريقة تشكيل الحروف من اللغة العربية[1].
وحين وضع أليعازر بن يهودا معجمه، ووجد أنَّ العبرية ليس فيها أكثر من ألفَيْ جذر لغوي، فاستنبط من العربية بقية ما يحتاج إليه من جذور لغوية.
أما الحَبْر اليهودي سعديا الفيومي أشهر شُراح أسفار العهد القديم على الإطلاق، فقد كان معاصرًا للإمام ابن جرير الطبري وتأثَّر بمنهجه في التفسير بالمأثور، ونقل هذا المنهج في تفسيره لأسفار موسى الخمسة[2].
بل العجيب أنَّ سعديا الفيومي يبدأ مُقدمات شروحه بالطريقة الإسلامية نفسها: الابتداء بحمد الله والصلاة والسلام على رسله[3].
فاليهودية تأثَّرت بالإسلام تأثرًا كبيرًا.
والعبرية ما خرجت للنور إلا بعد عودة اللفظ العبري للجذور العربية، ثم يأتي ملحد ويقول: إنَّ الإسلام تأثر باليهودية.
لكن الأعجب من كل ما سبق أنَّ اليهود لم يأخذوا قواعد العربية من الثقافة الإسلامية فحسبُ، بل وأخذوا كثيرًا من الطقوس الإسلامية وأضافوها لشريعتهم.
ومن ذلك ما ورد في الهلاخوت جدولوت من ضرورة غسل اليهودي لرجليْهِ قبل الصلاة، فاليهودي قبل أن يُصلي يغسل رجليه[4].
مع أنه اليهودية ليس فيها هذا الأمر.
فاليهودي لا يغسل رجليه إلا قبل دخول خيمة الاجتماع فقط!
وليس من ديانة اليهود غسلُ الرجلينِ قبل الصلاة، لكنَّهم نقلوا هذا الطقس عن المسلمين، فهذا طقسٌ إسلاميٌّ يُمارَس في الوضوء، انتقل من الإسلام إلى اليهودية.
وحين عثر الحَبْر عزائيل هيلد سهيمر على هذا النص الذي يقضي بغسل الرجلينِ قبل الصلاة في الهلاخوت جدولوت اعترف بأنه دخيلٌ على اليهودية[5].
وقد أخذ اليهود كذلك عن المسلمين غُسل الجنابة، فبعد الجماع يقوم اليهودي بالاغتسال.
وهذا الأمر لم يُعرف إلا في اليهود الذين سكنوا في البلاد الإسلامية.
أيضًا نقل اليهود عن المسلمين السُّجود بصورته الإسلامية، وهذا مخالف تمامًا لما في اليهودية.
فالسجود في اليهودية عبارة عن انبطاح على الأرض مع بسط اليدَينِ والرجلَينِ.

لكنَّهم نقلوا طريقة السجود الإسلامية.
فسجدوا مثل المسلمين.

وهذا السجود الإسلامي أحدث خلافًا شهيرًا بين الرَّبَّانيين والقَرَّائين.
فالربانيون هم مُشرِّعو اليهودية، وهم الذين نقلوا السجود من المسلمين، بينما القرَّاؤون هم الذين يقولون: لا نؤمن إلا بما ورد في الكتاب، فرفضوا صيغة السجود هذه[6].
فتأثير الإسلام واضحٌ، بل إنَّه من شدَّة تأثُّر اليهود بالإسلام، أطلقوا على التوراة اسم "القرآن"[7].
ومن الطقوس الإسلامية التي نقلها اليهود أيضًا استقبالُ القبلة حال جلوسهم في الصلاة، وما كانوا يستقبلون القبلة أثناء الجلوس، بل يستقبلونها فقط في الوقوف، ويجلسون على أية هيئةٍ شاءوا[8].
وقد شرَّع هذا النُّسكَ الجديد الحَبْر إبراهيم الميموني، والحَبْر إبراهيم الحسيد.
ومن التشريعات التي نقلها اليهود عن المسلمين تغطيةُ المرأة رأسَها في غير الصلاة، وهذا لا يُعرف في كتبهم كما يقول الحاخام إسحاق لوريا[9].
فتأثُّر الديانات بالإسلام واضح، ثم يأتي من يزعم أنَّ الإسلام تأثر باليهودية.
وفي الواقع لا يمكن أن يتأثَّر الإسلام باليهودية ولا بالنصرانية ولا بأيَّة ديانة.
وهذا لأنَّ الإسلام فيه سمةٌ وميزةٌ من أعجب المزايا، ألا وهي طرد البدعة!
فكل اختراع في الدين مرفوضٌ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"[10].
فهذه السمة العجيبة تجعل الإسلام غضًّا كما هو، وكأنه للتوِّ نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فكل بدعة في الدين يُزيلها العلماء أولًا بأول.
يَحمِلُ هذا العِلمَ من كلِّ خلَفٍ عُدولُهُ، يَنْفُونَ عنهُ تحريفَ الجاهِلينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الغالينَ[11].
فيبقى الإسلام على مر العصور كما هو.