ج: هذا النوع من الأسئلة سخيف جدًّا.
فالأنبياء لا يتركون تماثيل ولا معابد تَروي تاريخَهم.
فالذي يقرأ التاريخ من خلال المعابد والتماثيل الأثرية هو فقط يقرأ تاريخ الوثنيين.
فقد حذَّر الأنبياء أشدَّ التحذير من الآثار والأوثان والأصنام، بل وحذَّروا من اتخاذ قبورهم أثرًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم لا تجعلْ قبري وَثَنًا"[1].
ومن أعظم آيات الكتاب المقدس ما يُعرف بالوصايا العشر، وهي التي أمر الله بها موسى في برِّيَّة سيناء.
وفي الوصية الثانية من هذه الوصايا العشر: لا يجوز اتخاذ الصور والأصنام والأوثان وأي رسم منحوت.
3 لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.
4 لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ"[2].

والمسيح عليه السلام حين سُئل ماذا يفعل الإنسان حتى يدخل الجنة؟ فأجاب: يجب أن تحفظ الوصايا العشر وتُنفذها.

فهذه هي تعاليم الأنبياء، فهم يمنعون تمامًا اتخاذ التماثيل المنحوتة؛ ولذلك لو أردت البحث عن تاريخ الأنبياء داخل المعابد فأنت تُضلل نفسك.
لكن هل معنى ذلك أننا لن نعثر على أي شيء من خلال البحوث الأركيولوجية؟
والجواب: ربما نعثُرُ في الأوراق والألواح التي كتبها غيرهم على أدلَّةٍ، وهذا موجود.
فمثلًا: في قصة خروج بني إسرائيل من مصر، وُجدت بعض الآثار في سجلات الفراعنة على البلاءات التي سبقت خروجهم من مصر.
فمن المعلوم أن قوم فرعون أُصيبوا بالبلاءات: كالطوفان والجراد والقُمل والضفادع والدم قبل خروج بني إسرائيل مباشرةً، وبالفعل ورد هذا الأمر بالتفصيل في بردية أيْبِيور Ipuwer Papyrus والتي اكتُشفت وما زالت محفوظة حتى الساعة في متحف ليدن بهولندا.

فهذه البرْدية تذكر اضطرابات عظيمة وقعت في مصر، ومصائب حلت عليها قبل خروج بني إسرائيل مباشرةً.
وتصف البردية حال الإمبراطورية المصرية التي سحقتها كوارث عجيبة، وأوبئة أودت بحياة كثيرٍ من الناس.
وهي نفس صورة الكوارث التي أخبر الله بها في كتابه أنها كانت عقابًا لقوم فرعون.
وقد ذكرت هذه البردية كيف تحوَّل النهر إلى دم River of Blood[3].
أيضًا تحدثت البردية عن كيف أُصيبت الأرض بالجدب[4].

بل وتحدَّثت البردية عن الزينة التي لبسها الخدم -اليهود- من الذهب والحلي الذي أخذوه من المصريين ولم يردُّوه لهم[5].
ومن الغريب أنَّ زمن البردية هو تقريبًا 1500 ق. م. وهو الزمن التقريبي نفسه لموسى عليه السلام .
ولا بد هنا أنْ نعلم أنَّ المصريين القدماء لم يكونوا يُوثقون في معابدهم الكوارث التي شهَّرت بآلهتهم، وما كانوا ليذكروا هزيمة جيوشهم، خاصةً على يد خدمهم.
فالمصريون القدماء ما كانوا يُسجلون في معابدهم إلا الانتصارات.
لكن ترد هذه البردية العجيبة لتذكر لنا هذه التفاصيل.
أما عن انتصارات الفراعنة نرى في لوحة مرنبتاح، والتي توجد في المتحف المصري بالقاهرة، كيف أنَّ حملة الملك مرنبتاح توجَّهت إلى بني إسرائيل لمحاربتهم وانتصرت عليهم.

وقد وردت كلمة بني إسرائيل بالحرف في اللوحة، وتحديدًا في السطر 27 من اللوحة.
فقد ورد ذِكر بني إسرائيل في الحملة التي انتصروا عليهم فيها.

كانت هذه الحملة في حدود 1200 قبل الميلاد تقريبًا؛ لأن مرنبتاح حكم من عام 1213 ق.م إلى عام 1203 ق.م.
فالحملة كانت بعد خروج بني إسرائيل من مصر بحوالي 300 عام تقريبًا[6].
وهنا ننتقل للسؤال الآخر: هل توجد أدلَّة ماديَّة على ظهور نبي اسمه إبراهيم عليه السلام ؟
والجواب: نعم!
فقلعة إبراهيم دليل مادي مباشر على وجود سيدنا إبراهيم عليه السلام .
فحصن إبرام أو قلعة إبراهيم أو مدينة إبراهيم الحصينة مذكورة في نص هيروغليفي على جدار منحوت في معبد آمون في الكرنك بالأقصر.
وقد بنى داود أو سليمان هذا المكان في النقب في القرن العاشر قبل الميلاد، ثم ورد ذكره في جدار معبد الكرنك بالأقصر.
والمصريون القدماء كانوا يسمون مدينة بئر سبع، باسم حصن إبرام[7].
سؤال ثالث: هل توجد أدلة مادية على وجود مملكة داود عليه السلام ؟
والجواب: نعم!
فنقش تل دان، وهو عبارة عن نقش أثري من القرن التاسع قبل الميلاد تقريبًا، وهو مكتوب بالآرامية، ويذكر كلمة مملكة داود بالحرف[8].

وهناك اليوم شبه اتفاق بين المحققين والباحثين على أنَّ هذا النقش يتحدَّث بصورة واضحة عن مملكة داود عليه السلام .

وهناك نقش ميشع أو حَجر الموآبيين، وهو نقش يعود للقرن التاسع قبل الميلاد[9].
ويذكر هذا النقش أيضًا بيت داود عليه السلام .
وهو نقش من النقوش التاريخية الهامة، ويوجد الآن في متحف اللوفر بباريس، ويذكر بيت داود، ونسل داود، وكان من نسل داود مملكة سليمان عليه السلام .
