فهنا الملحد يتساءل: هل هذا يعني أن الإنسان غير مسؤول عن قراراته؟
والجواب ببساطة:
لنفترض أنَّ حكومةً قويةً قالت: لا أحد يستطيع أن يخرج على سلطاني، فأنا أعاقب من أشاء، وأكافئ من أشاء.
لكن في الوقت نفسه أنا حكومة عادلة! لا أعاقب إلا من يستحقُّ العقوبة، وأكافئ من يستحقُّ المكافأة.
فهل هناك تعارض بين القولين؟
لا إطلاقًا.
ولله المثل الأعلى.
فالله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء؛ لأن مشيئَته نافذة، لا سلطان لأحدٍ عليها، فهو قوي عزيز سبحانه.
لكن في الوقت نفسه مشيئة الله عادلة.
فهو سبحانه يُضلُّ من يستحق الضلال، ويهدي من يريد الهداية[1].
ولذلك ارجِعْ للآية، واقرأْها كاملة بتأمُّلٍ:
إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ: فالله عليمٌ بمن يريد الهداية، ومن يريد الضلال.
فمن يسعى للضلال تُيسَّر له أسبابه، ومن يسعى للهداية يُوفق لها.
فهو سبحانه أعلم بمن يريد الهداية.
فمن يريد الهداية يزيدُه اللهُ منها، ويهديه بسبب إيمانه، وحرصه على الهداية.
تُيسر أسباب الضلال لمن يبتغي الكفر.
إذا ابتعد الإنسان عن الله تَهيَّأ له شيطان فهو له قرينٌ، والإنسان إذا أتاه الشيطان في كل خطوة شقَّ عليه الإقلاع عن الكفر.
فهذا الضلال بما كسبت يداه.
فبسبب ضلالهم وكفرهم طبع الله على قلوبهم!
فحال من يريد الضلال كحال المدمن تمامًا، فهو: في أول إدمانه يكون بكامل إرادته، لكن بعد قليل تضعف الإرادة ويُصبح مطبوعًا على هذا المخدر لا يستطيع الإقلاع عنه.
فالذي يريد الكفر يكون بكامل إرادته في بحثه عن أماكن الكفر والاستماع للملحدين، لكن بعد أن يتعلَّق بالكفر تضعف إرادتُه، ويصبح مستسلمًا تمامًا منقادًا لكفره.
ومع أنَّ مَن يريد الكفر يُصاب بالعدمية والعبثية، بل ويُصاب بالميول الانتحارية، ويفقد بكفره معنى وجوده، ويبدأ يوقن في قرارة نفسه بسخافة وفشل الكفر إلا أنه مع كل هذا يجد في نفسه الوهن وقلة الإرادة عن تحري الحق واتباعه.
لكن متى أراد الإنسان الهداية مجددًا سيوفق لها بسهولة.
وفي الحديث القدسي: "فاستهدوني أهدِكم"[2].
وفي الحديث القدسي الآخر: "وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"[3].
فمشيئة الله عادلة: يُضِلُّ بعدله من أراد الضلال، ويهدي بفضله من أراد الهداية.
سبحانه حَكمٌ عَدلٌ لطيفٌ خبيرٌ.
هل عندكم من حجة على دعوى: أنَّ الله أجبركم على الكفر؟
إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ.
يضعون الافتراضات حتى يبرروا لأنفسهم ما هم عليه من الكفر.
فكفرهم بأيديهم، وهدايتهم بأيديهم.