الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 35

هل الله يُضِلُّ مَن يشاء؟

ج: قال الله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8].

فهنا الملحد يتساءل: هل هذا يعني أن الإنسان غير مسؤول عن قراراته؟

والجواب ببساطة:

لنفترض أنَّ حكومةً قويةً قالت: لا أحد يستطيع أن يخرج على سلطاني، فأنا أعاقب من أشاء، وأكافئ من أشاء.

لكن في الوقت نفسه أنا حكومة عادلة! لا أعاقب إلا من يستحقُّ العقوبة، وأكافئ من يستحقُّ المكافأة.

فهل هناك تعارض بين القولين؟

لا إطلاقًا.

ولله المثل الأعلى.

فالله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء؛ لأن مشيئَته نافذة، لا سلطان لأحدٍ عليها، فهو قوي عزيز سبحانه.

لكن في الوقت نفسه مشيئة الله عادلة.

فهو سبحانه يُضلُّ من يستحق الضلال، ويهدي من يريد الهداية[1].

ولذلك ارجِعْ للآية، واقرأْها كاملة بتأمُّلٍ:

{فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].

إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ: فالله عليمٌ بمن يريد الهداية، ومن يريد الضلال.

فمن يسعى للضلال تُيسَّر له أسبابه، ومن يسعى للهداية يُوفق لها.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].

فهو سبحانه أعلم بمن يريد الهداية.

{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17].

فمن يريد الهداية يزيدُه اللهُ منها، ويهديه بسبب إيمانه، وحرصه على الهداية.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9].
أما في الجهة المقابلة فمن يريد الضلال والغواية والكفر والإلحاد، فستُيسر له أسباب الضلال والكفر والإلحاد: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5].

تُيسر أسباب الضلال لمن يبتغي الكفر.

{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزُّخرُف: 36].

إذا ابتعد الإنسان عن الله تَهيَّأ له شيطان فهو له قرينٌ، والإنسان إذا أتاه الشيطان في كل خطوة شقَّ عليه الإقلاع عن الكفر.

فهذا الضلال بما كسبت يداه.

{وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155].

فبسبب ضلالهم وكفرهم طبع الله على قلوبهم!

فحال من يريد الضلال كحال المدمن تمامًا، فهو: في أول إدمانه يكون بكامل إرادته، لكن بعد قليل تضعف الإرادة ويُصبح مطبوعًا على هذا المخدر لا يستطيع الإقلاع عنه.

فالذي يريد الكفر يكون بكامل إرادته في بحثه عن أماكن الكفر والاستماع للملحدين، لكن بعد أن يتعلَّق بالكفر تضعف إرادتُه، ويصبح مستسلمًا تمامًا منقادًا لكفره.

ومع أنَّ مَن يريد الكفر يُصاب بالعدمية والعبثية، بل ويُصاب بالميول الانتحارية، ويفقد بكفره معنى وجوده، ويبدأ يوقن في قرارة نفسه بسخافة وفشل الكفر إلا أنه مع كل هذا يجد في نفسه الوهن وقلة الإرادة عن تحري الحق واتباعه.

{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 10].

لكن متى أراد الإنسان الهداية مجددًا سيوفق لها بسهولة.

{قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27].

وفي الحديث القدسي: "فاستهدوني أهدِكم"[2].

وفي الحديث القدسي الآخر: "وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"[3].

فمشيئة الله عادلة: يُضِلُّ بعدله من أراد الضلال، ويهدي بفضله من أراد الهداية.

{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5- 10].
وهو سبحانه لن يظلم أحدًا ولو مثقال ذرة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].

سبحانه حَكمٌ عَدلٌ لطيفٌ خبيرٌ.

ومن العجيب أن الله سبحانه أخبر أنَّ الملحدين والكفار سيحتجُّون بهذه الحجة: "لو شاء الله ما ألحدنا، هو مَن يُضلنا"... "لو شاء الله ما أشركنا"، فقالوا مثل ما أخبر سبحانه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].

هل عندكم من حجة على دعوى: أنَّ الله أجبركم على الكفر؟

إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ.

يضعون الافتراضات حتى يبرروا لأنفسهم ما هم عليه من الكفر.

فكفرهم بأيديهم، وهدايتهم بأيديهم.

{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].

المراجع

  1. 1 التوحيد، عبد المجيد الزنداني.
  2. 2 صحيح مسلم، ح: 2577.
  3. 3 متفق عليه... صحيح البخاري، ح:7405... وصحيح مسلم، ح: 2675.
التالي → 36 - هل علم الله بما سيقع ينفي حرية الإرادة والتخيير؟ ← السابق 34 - هل الإيمان بالنسبية المعرفية موقف علمي؟